سرقونـا بأسماء شريفـة
في مجموعته القصصية (الذين ضحكوا حتى البكاء) أورد العالم والأديب مصطفى محمود قصة رجل يشكو من داء العظمة، وقد أوقعه غروره واعتداده الزائد بنفسه في شر أعماله، حتى انتهى به الأمر إلى زنـزانة موحشة بعد أن حكم عليه بالسجن المؤبد، وهو يحاول من خلال تدوين سيرة حياته خلق مسوغ لأفعاله غير المشرفة على الأقل ليقنع به نفسه اللوامة، وفي اعتقادي أنه نجح في ذلك، خاصة عندما قال (ليس صحيحا أن نابليون والإسكندر وغليـوم وأمثالهم من القادة، كانوا عظماء، بل كانوا مجرمـين، وكل ما نجحوا فيه أنهم اخترعـوا أسماء شريفة لسرقاتهم، مثـل : تـوحيد العالم، ونشر الحضارة، وتحـريـر الإنسان).
نحن أيضا يوجد لدينا فئة من الناس، ومع أنهم لم ولن يصلوا تحت أي ظرف لدرجة القادة العظماء، فأقدامهم لم تطأ يوما ساحة المعركة وقلوبهم معلقة بالدنيا ولا تجرؤ على القتال، غير أنهم يرون في أنفسهم فرسان هذا العصر ويكفيهم فخرا أنهم اكتسحوا أسوار مواقع التواصل وغنموا بالأكثر متابعة، وانهم نافسوا نجوم الدراما والسينما فحصدوا شرف تعليق صورهم الدعائية بالشوارع والميادين، وأنهم خير من يشحذ همم الشباب المندفعين للهـروب إلى بلدان بعيدة تستعر بأتون صراعات طائفية وحروب أهلية طاحنة (لا ناقة لهم فيها ولا جمل)، وانهم أيضا (وعلى النقيض تماما) خير من ينكر ويتبرأ من ممارساتهم بمجرد أن توجه إليهم أصابع الاتهام !!.
هذه الفئة من الناس، سرقوا من أبنائنا النظرة المستقبلية والأحلام البريئة والوردية باسم (الفوز بالحور العين) سرقوا من أبنائنا سعيهم للبر بوالديهـم والحرص على الرقي بأنفسهـم وتطوير مجتمعهم باسم (استعادة أمجاد الأمة)، سرقوا من أبنائنا أعمارهم الصغيرة وخلفوا الحزن والكمد في قلوب محبيهم باسم (الجهاد في سبيل الله)، إنهم يستخدمون هذه الأسماء الشريفة والعزيزة على قلوبنا في غير ما أنزلت به لدعم دعواتهم المضللة وغاياتهم الخفية، وكم هم بارعون في ذلك، لدرجة أن مفعول أساليبهم السحرية يظل مسيطرا على التابعين والمنافحين عنهم حتى بعد إنكارهم الفاضح لصلتهم بتغريداتهم وخطبهم التأليبية التي قيلت على رؤوس الأشهاد !؟.
فيما مضى كان الثوب القصير دلالة على التواضع والبعد عن الخيلاء، فيما مضى كانت هيئة الرجل المتدين تحملك إلى أسمى معاني الورع والزهد والتقشف، فيما مضى كانت هناك برامج دينية يأسرك مقدمها بعفويته وتشدك مواضيعها لقربها من تعاملات الناس وتفاصيل حياتهم مثل (على مائـدة الإفطـار ) و (منكم وإليكم) و (لـقـاء الإيمـان)، واليوم تغير الحال، وباستثناءات قليلة فإن الاهتمام أصبح منصبا في كيفية سرقة الأضواء، وسرقة المؤلفات الأدبية.. كل هذا يحدث تحت غطاء اسم شريف ألا وهو (تثقيف الناس في دينهم ونشر الفضيلة بينهم) !!.
*نقلاً عن "عكاظ".