من غشنا فليس منا
إن الإنسان الذي تتوفر لديه كثير من الإمكانات دون خيارات سيكون أقل حرية وأكثر تجاوزات، ويريد دائماً القيام بأشياء مخالفة للعقل والنقل، فلا يتحكم بما يريد تحقيقه، وهذه نبذة تحليلية بسيطة عن الذي يمارس الاحتيال والغش ويحتار بين الاختيار والضرورة.
فإذا كان الفعل الإنساني بمواقفه خارج الأسباب فهو غير قادر على تطبيق النظام وبلوغ كمال الأخلاق، وينطبق القول هنا على الغايات الشريرة التي تكسب من وراء خداع الناس، وإليكم هذا الشكل العجيب من الغش والأضرار البشرية والمادية المصاحبه له، لقد ضبطت بلدية محافظة قرية العليا، مصنعاً مخالفاً يقوم بعملية تصنيع لأحد المنتجات الشهيرة "فكس" حتى هذا العلاج الطيب لم يسلم من براثن الغش، حسب ما تناقلته الصحف.
مصنع ينتج نوعاً متداولاً من الأدوية بين الناس، لا أعلم من نتهم بالتقصير ولماذا هذا الغش والاحتيال الفادحين؟
لو تساءلنا عن تاريخ إنشاء هذا المصنع وكم أنتج من هذه العبوات المغشوشة وكم عدد المستهلكين لهذا الدواء أو هذا المنتج إن صح التعبير، وكم عاماً تم الإنتاج من هؤلاء الغشاشين الأوغاد، وكم طفلاً تضرر من هذا الدواء وكم مسناً ومسنة عانت من مضاعفات بسبب هذه العبوات المقلدة؟
تساؤلات كثيرة تصعب مناقشتها والتعرف على فحوى مضمونها، لأن الدهشة من فداحة المخالفة كبيرة وإبداء الرأي سيكون انفعالياً، ولكن انطلاقاً من الدور الكبير الذي تؤديه وزارة التجارة وبعض الإدارات الأخرى وذلك الخط المستقيم الذي تسير عليه، رسمنا الشكر في الأعماق لها وبالمقابل ألفنا هذه الكلمات لكثرة تكرارها في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية،"تم ضبط وتم غلق وهلم جر"تجاوباً مع البلاغات من المواطنين والمتضررين من الغش والاحتيال، يالها من قدرات ازدهر المجتمع وتفاءل بها، وكل ما أرجوه أن يكون المحتال ليس من أبناء الوطن لأن الأضرار تكون أكثر فداحة عندما يكون الخائن والسارق مواطناً.
ومنذ عهد بعيد صدرت مراسيم ملكية بمكافحة الغش التجاري، وقرارات وزارية بإصدار لائحة تنفيذية لنظام مكافحة الغش التجاري، وأيضاً لائحة استدعاء لسوق المركبات وملحقاتها وقطع غيارها.
ومع كل وزير جديد للتجارة والصناعة يتجدد القرار ويتم اعتماده، وفي الآونة الأخيرة لاحظ المجتمع برمته النشاط والعمل الدؤوب للوزير الربيعة وإدارته والنتائج الكبيرة التي قطف المواطن ثمرتها.
لم يعد مستغرباً أن تقرأ هذه المفردات كل يوم، التجارة تتلف، وتضبط وتحاسب، وتغرم، وتصادر، وتتجاوب مع المواطن وتؤكد نشاطها وصلاح غاياتها لخدمة الوطن وتنقيته من شوائب الفساد والغش والاحتيال.
إن مفهوم الأمانة معناه بصفة دقيقة إرادة ذاتية قانونية بعيدة عن أي شروط إكراهية خارجية، ترتبط بشكل جوهري بالفعل الأخلاقي ونزاهة الروح، ولها مظهر أنيق في كيان الشخص واتزانه وثقته بذاته.
أما السؤال الذي يحتاج إلى إجابة مقنعة: هو كيف يمكن رعاية الأمانة في النفوس؟
وقال تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون..الآية) وقد ذكر سبحانه صفة الأمانة والوفاء بالعهد وعظم أثرها في قلوب البشر وتعاملاتهم الاقتصادية والاجتماعية، ما أعظم الفضائل في أفعال الإنسان التي أمر الله بها حين قال جل جلاله: (إنا عَرضَنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقنَ منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا..).
نقلاً عن صحيفة "الرياض"