تكنولوجيا العنف

مها محمد الشريف
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

لا نبالغ إذا قلنا إن أهم ما جاء به العصر الحديث هي التقنية والعلم والحرب والعنف والتفكك، اجتمعت كل التناقضات في نظرية نسبية من كل شيء، وبقدر التطور كان القتل مساوياً للدهشة، لقد أوقفنا ساعة الماضي لتحل مكانها لحظات الحاضر المتسارعة وتأجج التطرف الذي أودى بعدد كبير من المدنيين الأبرياء وآخر القتلى طلبة مسلمون قضوا برصاصات غادرة من مجتمع كوني عصري، مجتمع يندد بالإرهاب يومياً وينادي بحقوق الإنسان في كل المحافل، ويملك صلاحية مطلقة لفرض العقوبات على شتى أنحاء العالم.

فذلك يُفهم من جهة المنطق أن كل عصر مرهون بوعي أهل الزمان ويعني أن هناك اختلافاً جوهرياً بين الأزمنة وأهلها، وهذه هي الحياة التي نتقاسمها مع الآخرين بكل إشكالياتها وتفاصيلها وإختلافها، فمهما كان البحث فهو غير كاف للتعبير، وهكذا استطاع التاريخ أن يستقبل على منصته كل الأشكال والأنواع ويحتفظ بالإرث للأجيال والأزمنة القادمة.

ويجدر بنا أن نقول، إن الإنسان يستطيع توحيد مفاهيمه وقدراته تحت قوة الزمان الذي يعيشه، "مادام المرء يتحرك في إطار علاقة الذات بالموضوع، حسب التقنية الهندسية لمصير الإنسان التي حددها مارتن هايدغر".

إن التقنيات التي أنتجها العلم حولت الحياة برمتها إلى حياة تكنولوجية بدءاً من العالم الأول إلى العالم الثالث، بينما لعبت الأحداث السياسية والاقتصادية أدواراً رئيسية في هذه المتغيرات، وأعادت العصر إلى سابق عهده من العنف الذي زعزع يقين الشعوب حول سلام دائم.

فصعد المتعصب والمتطرف والخوارج والغلاة الذين زعموا حماية الدين إلى تلك المنصة - منصة التاريخ- يمارس كل منهم عمله تحت ذريعة الدين والعقيدة، وخرجوا على الناس أحزاباً وجماعات تقتل الأبرياء وتعيث في الأرض فساداً، ما أدى إلى انهيار القيم الحضارية، وكذلك الحال مع مرتكبي الجرائم المتفرقة في الدول المتقدمة إنما هي نتيجة أزمات نفسية وخلخلة في البنية الاجتماعية والإقتصادية.

إذن، التركيبة النفسية المريضة والتأثيرات المصاحبة لها لم يساهم التقدم التقني في تحسين صورتها، فقد أدى قتل الأمريكي من قبل داعش إلى سخط الرأي العام الأمريكي، ونحن بالمقابل فقدنا ثلاثة طلاب مبتعثين على الأراضي الأمريكية دون ذنب وتجاهلت وسائل الإعلام تلك الحادثة، ويعد ذلك في تقديرنا شواهد متناقضة.

وفي البيان الذي أصدره الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول هذا التنظيم قائلاً: الآن دعونا نوضح أمرين: إن داعش ليست إسلامية فلا توجد ديانة تغفر قتل الأبرياء، كما إن الغالبية العظمى من ضحايا داعش من المسلمين، ويقيناً فإن داعش ليست دولة، فهي كانت في السابق تنظيماً تابعاً للقاعدة في العراق وقد استغلت الفتنة الطائفية وحرب سورية الأهلية.

فالبحث عن معنى الحياة في هذا العصر إنما هو بحث عن وعي غير فاقد للأهلية، وفي نظر هايدغر لن يظل الإنسان مع الآخرين إلا إذا بحث عن أصالة نفسه، من خلال مشروع المستقبل والتعايش السلمي الذي ينبذ العنف وينكرالفوضى والتخريب، في التجمعات الرياضية وأعقاب الشغب الذي رافق الرياضة في مصر في حوادث مختلفة، هل يحق لنا تسمية هذا العصر بعصر تكنولوجيا العنف؟

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

www.alriyadh.com/1021713

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.