بيت الحمام
ليس لسطوح منازلنا الآن مكانة في حياة الأسرة السعودية. قد تنفع من تدفعهم قلة الفهم البيئي بأن يتركوها مخزنا مفتوحا (وخطرا أيضا) للتالف من الأشياء، أو يشيدون فيها حُجرا من الزنك (الضار أيضا) لتكون للخدم.
في مراحل أخيرة من حياتنا في ذاك المنزل استفدت من تلك الغرفة - والتي يتعارف الناس على تسميتها «المنفوح» - استفدت منها في تربية الحمام، وكنت أحب تلك الغرفة، أولاً لأنها مطلة ومنعزلة، وفيها الحمام المختلف الأنواع. أجد فيها أجمل تسلية، وأطرى لهو.
لم نكن نعجب أبداً كيف صمدت تلك الغرفة المبنية في السطح، وتمثل الدور الثالث من منزلنا الطيني في عنيزة. كانوا يتركون فيها عدة السفر، من «خروج الذلول» وهي - لمن يجهل المفردة - الكيس الصوفي أو الجلدي المبالغ في زخرفته الذي يعلق على جانبي الراحلة ليضع فيه المسافر مؤونته أو حاجياته - ومفردها خرج. وقد نجد في تلك الغرفة «الأشدّة» والواحد منها «شداد». كذلك نجد فيها بعض الخيام وملحقاتها وأي شيء ثانوي له صلة بالسفر والترحال.
وعلى سطح تلك الغرفة رفعنا الهوائي للراديو (الايريال) وكنا لا نعرفه الا بال(الانتن).
الآن يأخذني عجب مشوب بالروعة إذ كيف صمدت تلك الأدوار لأكثر من قرن أمام الأنواء وطقوس التعرية القاسية وهي تتحمل ما عليها من أثقال وسكان ومؤونة، ودون اسناد غير خشب الأثل أو أسسها الصخرية؟
فوق هذا كله، سهلت إزالة تلك الإنشاءات حارة بعد حارة، بعدما تطلبت مقتضيات السلامة والأمن إزالتها. صديقة للبيئة والعامل كانت تلك الإنشاءات، بناءً وإزالة..
قال الشاعر المرحوم عبدالعزيز المسلّم متباكياً على تراث الآباء:
عشقت، لم أعشق الأطلال، أسحقها
لو لم تكن هي تاريخي الذي انكتبا
يا «سوق مصعد» كم شادتك قافلة
من السواعد أدمت كلها نصبا
لتستفيق على جيل يروّعها
وي (يهجر) الدار والتاريخ والقببا!
نقلاً عن صحيفة الرياض