حشيش فاخر
في خبر يشبه الطرفة عن حشيشة ملعب الجوهرة بجدة الذي تعاقدت أرامكو مع «خبير» أجنبي براتب 350 ألف ريال في الشهر (11.666 في اليوم) أحضر تربة زراعية فاخرة لأرضية الملعب من الخارج، برغم أن وزارة الزراعة لا تسمح بذلك، إلا أنها لم تتأقلم مع أجواء جدة. يمضي الخبر بالقول إن ارامكو دفعت مئات الألوف هذه متجاوزة خبراء محليين، وبجانب ملعبها حشيشة ملعب الأمير عبدالله الفيصل التي بقيت صامدة طويلا، وحشيشة ملعب الدرة بالرياض التي استبدلت قبل 15 عاما وبقيت جيدة وكلاهما تم بخبرة محلية ولم يكلف كثيرا، علما بأن ملعب الجوهرة كلف أكثر من 1.9 مليار ريال وتمت صيانة حشيشته مرتين دون جدوى. (مكة، 23 فبراير الجاري)
لن أمضي مع الخبر مطالبا بتدخل هيئات الرقابة، يكفيني اتخاذه مثالا على طريقة تفكير بعض مسؤولينا في القطاعين العام والخاص بتبني مفهوم التسليم على المفتاح، مشاريع عدة عامة وخاصة تتم بمقاولة المفتاح، وهو حل يلجأ إليه قليلو الخبرة والعلم، وأرامكو هنا رائدة في عملنا الوطني وخبرتها تفوق نصف قرن. مصانع كثيرة ومعامل وورش ومطاعم ومولات تم استيرادها بآلاتها وتجهيزاتها وعمالتها، بل وحتى إدارتها وزرعها محليا فقط ليكتب «صناعة وطنية»، أو لنبدو أكثر تحضرا ومدنية، وإذا قفزت فوق أبراجها العاجية لترى ما تستفيده السوق المحلية من طلبات هذه المصانع والمعامل والورش... إلخ لا تكاد تجد شيئا، معظمه، إن لم يكن جميعه، يستورد ما يحتاجه ليستهلك هنا، فترسخ قاعدة إنما نحن قوم مستهلكون (يجوز كسر اللام وفتحها)، إضافة لتكاليفه الاجتماعية من تغير عاداتنا وتبنى تقاليد غريبة عنا.
تربتنا جيدة وصالحة للزراعة والنمو والاستثمار إذا ما التفت عليها المحافل، وكذلك فإن ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه، وكما يقول الزراع «العود من غرزته»، عقول جيلنا الصاعد نبتة جيدة وقابلة لزرع كل ما هو جميل فيها، والبداية تكون بزرع الأفكار المنتجة داخلها وتركها تنمو، وتشجيعها بالرعاية لتثمر وتبدع حلولا لمشاكلنا المحلية. ليس كل ما يستورد جيدا، والأفكار في أي مجتمع حيوي لا تنضب ابدا، ما لدينا يمكن تطويره صناعة واستهلاكا فكرا وسلوكا، الصرف والبذل بسخاء مبرر هنا وله مردودان، آني بخلق جيل واعٍ بمشاكل وطنه مهتم بها، وآت بتملك طبقة عاملة خبيرة مؤهلة.
نقلاً عن صحيفة "عكاظ"