محاربة الإرهاب في شوارعنا

محمد الطميحي
محمد الطميحي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

في أشهر شوارع الرياض وأكثر تقاطعاتها ازدحاماً وربما على بعد امتار قليلة من دورية مركونة في الجانب المقابل لا تتفاجأ إن شاهدت قائد مركبة يتجاوز جميع السيارات الواقفة عند الإشارة فقط ليعترض بسيارته أمامك وكأن الطريق ملكه وحده وأن له الأولوية المطلقة لأن يكون في المقدمة، والذي يعرف شوارع العاصمة قبل خمسة عشر عاماً يتذكر أن هذا كان نادراً ومحصوراً في السيارات الفارهة التي يحسب لمن في داخلها ألف حساب وحتى إن طالها دفتر المخالفات بكامل صفحاته فإن المبلغ لن يتجاوز مصروف جيب يوم واحد لصاحبها، والآن تساوى الكثير بمختلف فئاتهم في القيام بذلك وكأنه نوع من الرفاهية والشجاعة، لأنّه لو طبق القانون على أولئك بصرامة لما قام هذا الجيل بالتوسع في ارتكاب المخالفة دون أي تقدير لسائقي المركبات الأخرى ولا لأنظمة وقوانين السير.

في جدة المشهورة بدواراتها المزدحمة (الأولوية ليست لمن في داخل الدوار)! لذا تجد السيارات تتسابق من كل جانب لتأخذ مسارك بل وتجد نفسك عرضة للسب والشتم والصدم في أغلب الأحيان إذا قررت تطبيق النظام والحفاظ على هذه (الأولوية) الغائبة، وهنا نتساءل: إذا كانت تلك المخالفات ترتكب في أكبر مدينتين في المملكة من حيث التنظيم والتعليم والحضارة فما بالك ببقية المدن؟

قبل سنوات قامت الدنيا ولم تقعد عندما قررت إدارة المرور تطبيق نظام ساهر للحد من السرعات الجنونية في شوارعنا، وبدل الحديث عن أهمية أنظمة من هذا النوع في التقليل من الحوادث انشغل الناس بحساب قيمة المخالفات وتأثيرها على جيوب المواطنين وكأنّ هذا (الساهر) يساوي بين من يلتزم بالسرعة المحددة ومن يحول الطريق إلى حلبة سباق لأنه يعتبر نفسه (مايكل شوماخر)!!

وعندما أدرك البعض بأن شركة خاصة تشغل النظام الجديد لصالح الدولة ظن بأنه لا عقوبة من وراء تخريب مركباته ومعداته، حتى إن بعض موظفيه تعرضوا للقتل كما حدث قبل أربع سنوات عندما قام شخص مجهول بإطلاق النار على إحدى مركبات ساهر على الطريق السريع الذي يربط الرياض بالطائف ما أدى إلى احتراق المركبة ووفاة الموظف بداخلها.

هذا الجدل كله فقط في مواجهة نظام واحد فما بالك لو حاول المرور التطبيق الصارم لربط حزام الأمان، ووضع الأطفال جميعا في كراسي مخصصة لحمايتهم في المركبة ومنع جلوسهم في أحضان امهاتهم في المقعد الأمامي، والالتزام بالعدد المحدد للركاب في كل سيارة حتى لو كان ذلك اقل من عدد أفراد العائلة، ومنع التجاوز من كتف الطريق، والحفاظ على المسافة الآمنة بين المركبات، والوقوف بشكل سليم في الأماكن العامة.. إلخ؟

الإنسان بطبعه لا يحب تطبيق النظام سواء أكان أمريكيا أو بريطانيا أو من أي جنسية كانت، ونحن لسنا استثناء من ذلك وعندما تتم مقارنة التزامنا بتطبيق القوانين المرورية بالدول الأخرى لابد من مراعاة الجانب الأهم ألا وهو مدى تطبيق العقوبات الرادعة التي تجبر الجميع على الالتزام، فمن لم تؤثر فيه الغرامات المادية فليطبق عليه السجن وحجز المركبة والمنع من القيادة خاصة إذا ارتكب مخالفة أدت إلى تعريض حياة الناس للخطر كقطع الإشارة الحمراء أو تجاوز السرعة القانونية بنسبة عالية، ومن يرى في ذلك ظلماً فليقارن بين تنفيذ العقوبة بحق هذا المتهور وبين تركه طليقا ليقتل عائلة بأكملها فقط لأنه تأخر على الدوام أو المحاضرة أو جاء على باله أن يجرب مهاراته في القيادة.

خاضت وزارة الداخلية مواجهات عنيفة مع الإرهاب فكرياً وأمنيا، وخصصت لمحاربته الكثير من الموارد لما له من خطر على أرواح الناس واستقرار الوطن، وبلغة الأرقام فإن الحوادث المرورية لا تقل خطورة عن التطرف بل إن ما تحصده في اقل من شهر واحد يزيد بكثير على ضحايا الإرهاب في بلادنا لأعوام، لذا حان الأوان للتعامل مع هذا الملف بنفس الزخم والقوة، وتخصيص كافة الموارد والكفاءات اللازمة لوقف أولئك (الانتحاريين) الذين يتجولون في شوارعنا - دون إدراك - بحثاً عن ضحيتهم المقبلة.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.