.
.
.
.

مناظرة حول المناهج

أحمد الحناكي

نشر في: آخر تحديث:

عندما حدث انفجار أكلاوهوما في أميركا عام 1995 كنت أدرس الماجستير في جامعة مارشال الأميركية، وكانت المفارقة أن أحد المواد التي أدرسها آنذاك هي مادة قوانين إعلامية، ومن ثم كان موضوع التفجير هو على رأس ما ناقشنا به الدكتور كارول دينسون - هو حالياً عميد كلية الإعلام في جامعة مارشال في ولاية غرب فرجينيا- صباح اليوم التالي للتفجير.

وإذ إنني لحظتَها الطالب السعودي، بل العربي الوحيد في المحاضرة، فقد دخلت بوجل بإحساس الذنب والقلق؛ لأن بعض وسائل الإعلام المتطرفة هناك بدأت تلمِّح إلى رائحة أصابع إسلامية أو عربية (قبل أن تتبين الأسباب والمفجر لاحقاً).

تحدث الدكتور بألم وحزن، ولكنه شدد ومنذ كلماته الأولى على أن الاتهام المسبق هو خطأ فادح يقع فيه الإعلامي، ومن المهنية أن ننتظر إلى أن تدلي السلطات الأمنية بنتائج التحقيقات، ثم أردف قائلاً من دون أن ينظر إليَّ: (وحتى لو اتضح أن الجاني عربياً أو مسلماً كما تروِّج وسائل الإعلام، فإن هذا لا يعني أن المسلمين أو العرب يؤيدون ما صنعه هذا المجنون). كان من الواضح أن أستاذي الفاضل يريد أن يعطينا جميعاً درساً في الإعلام، قانونياً أو أخلاقياً، وفي الوقت نفسه يسرب إليَّ رسالة اطمئنان، وهو ما نجح فيه حقاً. ما أسرعَ أن اتضحت الأمور، وتبين أن الجاني أميركي أبيض قح، وهو ما أثار ارتياحي حقاً، فنحن في غنى عن مشكلات لا ناقة لنا فيها ولا جمل. وفي عام 2005 كنت أعمل في لندن، عندما حدثت التفجيرات في قطارات بريطانية تحت الأرض، والتي تسببت بوفاة وجروح واتضح أن السبب يعود لشبان انتحاريين مسلمين بريطانيين من أصول باكستانية.

بين التفجير الأول في أوكلاهوما والأخير في لندن حدثت تفجيرات 11 سبتمبر 2001، وهي الأخطر والأكثر دموية وتأثيراً في العالم ولاسيما المسلمين ودول الشرق الأوسط بشكل خاص؛ لأن المنفذين عرب نملك منهم النصيب الأعظم، فـ15 من الـ19 كانوا من المملكة.

التفجير بتوقيت المملكة كان ظهراً، والمفارقة أنها إحدى المرات النادرة التي أستسلم فيها للقيلولة، وعندما استيقظت (في الرياض) شاهدت شاشة التلفزيون وأنا لا أستوعب، هل نحن في حقيقة أم خيال أم لا أزال نائماً؟

علمت فيما بعدُ بالتفاصيل التي غيَّرت النظرة للعرب ولاسيما للسعوديين، فقد اختفت مظاهر الجواز المدلل لدى أميركا، وأصبح السعودي لا ينال تأشيرة الدخول إلا بصعوبة وبعد انتظار طويل، فيما تم رفض الكثير من دون سبب، بل إن هناك من لم يتم منحه تأشيرة، مع أنه ذاهب للعلاج الذي لا يتوافر أحياناً إلا هناك -ولا يزال ذلك للأسف-.

على أي حال، خرجت عن سياق الموضوع الذي كتبت المقالة من أجله، فبعد أيام من التفجيرات التي حدثت في لندن حضرت نقاشاً في مقهى بين صديق سعودي لي وآخر بريطاني زميل له في رحلة الدكتوراه في إحدى الجامعات اللندنية، وبطبيعة الأمر كان ولا بد من أن يكون موضع النقاش هو حدث التفجيرات، فقال البريطاني، وهو يتميز غيظا: انظر إلى ما تعمله مناهجكم، إنها سياسة التحريض على العنف والكراهية لغير المسلمين والتأليب على الجهاد، فقال السعودي: مهلاً يا صديقي، أكان تيموثي ماكفي مفجر المبنى في أوكلاهوما مسلماً، أم كان يدرس مناهج إسلامية يا ترى؟

فقال البريطاني: هذا استشهاد هزيل! ألم ترَ شاباً رياضياً يتمرن كل يوم ويتميز بالرشاقة ولا يعاني من الأمراض وفجأة يموت من دون علة رئيسة واضحة؟ فقال السعودي وما علاقة هذا بموضوعنا، فقال البريطاني: لأثبت لك أن هناك استثناءات، فليس كل من يدخِّن سيموت مبكراً قياساً بمن لا يدخنون، إنما الغالبية ستتضرر وتموت بشكل أسرع.

قال السعودي: عموماً لا تنسى أن مفجري القطارات كانوا بريطانيين، تلقوا التعليم هناك، فقال البريطاني: صحيح إنهم تلقوا تعليمهم عندنا، ولكن بيئتهم كانت وما زالت مغلفة على محيطهم وثقافتهم، وهذه تحتاج إلى أكثر من جيل؛ لكي يندمجوا مع الثقافة البريطانية تماماً، إنما لا تنسى أنت أن هؤلاء الشباب قد ذهبوا لمعسكر في باكستان، ودرسوا هناك 40 يوماً قبيل التفجيرات، وانظر بنفسك إلى النتائج.

قال السعودي نحن في المملكة نقارب الـ30 مليوناً وإن خرج منا نسبة بسيطة من الإرهابيين فإن هذا لا يعني أنه من المناهج وحدها. أتفق معك على أن المناهج تحتاج إلى مراجعة وتنقيح وتغيير جذري، ولكن الأهم برأيي هو كيفية اختيار المعلم الذي يتعامل مع هؤلاء النشء، وكيفية فهمه أو طريقة شرحه للمناهج.

أطفالنا الصغار ينشأون على حب الدين والدفاع عنه، ولديهم الاستعداد لعمل أي شيء يرون أنه يخدم هذا الدين، ومن ثم يتسلل الإرهابيون فكرياً كما تتسلل الأفاعي.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.