مواقع التواصل الاجتماعي وردح العوالم!
لا يخفى على القارئ الكريم معنى كلمة «العوالم» في العنوان أعلاه، وهي نقلاً عن الشبكة العنقودية (العالمة هي: راقصة من وسط العوالم، وعادة تكون موجودة عن طريق عالمة أخرى مثلها، ويكون عندها عوالم حديثات السن، يعملن معها في حال كونها صاحبة العمل. والعالمة لا بد أن تجيد الغناء بصوت مقبول وترقص مع المطرب، والرداء الخاص بها يتنوع ما بين فساتين السهرة والقصيرة، وهي تعتمد على إظهار مفاتنها للمشاهد؛ لإيجاد لغة للتفاهم معها من حيث التشجيع والالتفات إليها ورمي النقوط عليها، كما أنها أحياناً ترتدي بدلة رقص أو ثوباً بلدياً مع الفرقة، وهن عادة موجودات في مناطق الغوازي مثل: شارع محمد علي، وباب الشعرية، والكيت كات في إمبابة، والمنصورة في شارع صيام، أو في بلقاس، أو في البياصة، في باكوس بالإسكندرية. وأجورهن عادة عالية بعض الشيء؛ نظراً لدورهن في جلب النقطة، أي التي يدفعها الزبائن للراقصات). وكما تلاحظون فالحديث أعلاه عن مصر تحديداً، إذ إن المسمى يختلف في دول أخرى.
تلك العوالم فضلاً عن الصفات أعلاه لديهن سلوك آخر، وهو الردح على أصوله، فعندما يختلفن مع بعض أو مع غيرهن ينطلق اللسان بأبشع الصفات والشتائم والاتهامات المتواصلة من دون حسيب أو رقيب.
تذكرت العوالم، وأتذكّرهن دائماً عندما يطرح أي مفكر أو كاتب أو ناشط أو خبير رأياً يخالف النسق الاجتماعي المتعارف عليه، ولكنه لا يصادمه طبعاً، وبمجرد أن يكتب رأيه ينطلق شلال البذاءات لتنصبَّ عليه من كل الجهات، التي عادة ما تكون من مجموعة واحدة محتقنة ومتوترة.
العوالم من دون شك أكثر وفاءً والتزاماً وأخلاقاً، فهن لا يبدأن المشكلة، لكنهن يبالغن في الدفاع عن أنفسهن، فيما تجد أن المأزومين يعتقدون أنهن من يحتكر الحقيقة ولا يقبلن مخالفة لمعتقداتهن وآرائهن مهما كان تطرفها أو تخلفها. لا يحسبن حساباً لأحد؛ لأنهن وبكل بساطة يعرفن أن لا حسيب ولا رقيب عليهن، ومن ثم سيستمر الوضع على ما هو عليه إلى أن يقضي الله أمراً.
قد يطالب بعضنا المتضرر باللجوء إلى القضاء، وهو اقتراح جيد ومعقول، ولكن يجب ألا ننسى أن الدولة وهي مرجع الجميع وهي من يجب أن تتدخل حتى لو سكت الضحية لأسباب كثيرة، منها أن البعض لا يحب القضاء والنزاعات، والبعض لا يملك الوقت، والبعض لا يهتم، والبعض لم يقرأ في الأساس. في الوقت نفسه الدولة لديها الإمكانات لمعرفة الأشخاص، سواءً ممن يكتب باسمه الصريح أم حتى غير الصريح.
المفارقة الكبرى، أن من يلجأ لهذه الأساليب عادة بعض الذين يعتقدون أنهم يمثلون الدين والمتدينين، والذي كما يعلم الجميع يحث على الالتزام الأخلاقي وحسن التعامل وعدم قذف الآخرين، ولنا قدوة في الرسول محمد صلى الله وعليه وسلم، الذي كان ليناً وهاشاً وباشاً، فما بالك إذا كان بعضنا هنا يستخدمون ألفاظاً نستحي أن نسمعها، فكيف تصدر منهم؟ وفضلاً عن هذا وذاك كثير من اعتراضاتهم ليست منطقية، وتعبر عن تفكير هش تهزه مفاهيم المؤامرة والخيالات المريضة.
الاعتراض والنقد شيء طبيعي، وهو ديدن الحياة، إنما المحيّر هو هذه الثورة الحمقاء والتي تصل إلى أوجها عندما تكون المرأة طرفاً في ذلك الموضوع أو ذاك. صحيح أنني التمس العذر للبعض بحكم الجهل أو السن، غير أن هناك من يفاجئك بآراء شاطحة تخالف كل شيء.
الجميع يعلم أنه ومنذ تعيين أعضاء مجلس الشورى الأخير، ومنهم 30 امرأة، بدأت الحرب الشعواء على المجلس، فمرة ينتقدون طريقة الكراسي أو الاختلاط أو التواصل في ما بينهم، ومرة أخرى يهاجمون كل ما تقدموا به من مشاريع أو اقتراحات، ويساندهم في ذلك التيار الآخر في المجلس مع عدد من عضواته اللاتي يذكرونني أحياناً بالمرأة التي لا يريد زوجها أن يتزوج أخرى معها، لكنها تلح عليه، المهم ألا يغضب وألا يتكدر خاطره وتتعامل معه بضعف واستكانة وتبحث عن قمع قد لا يكون موجوداً لديه.
وإلا ماذا نفسر هذا الغضب والسخط داخل المجلس أو خارجه من نجاح مشروع إقرار تسعة تعديلات جديدة على نظام الأحوال المدنية، وتمس هذه التعديلات المرأة السعودية؟
قبول كل هذا شيء، وردود من هم خارج المجلس شيء آخر. بذاءة وقذف وتزوير وعلى ماذا؟ فقط لأن سيدات الشورى هن من طرح مشروع البطاقة أو غيره من كل المشاريع أو التوصيات أو التعديلات المهمة، وبالذات التي تخص المرأة السعودية. العجب يتجلى أكثر عندما يكون المتهجم شخصاً معروفاً أو دكتوراً باسمه الحقيقي، وكأنما يقول إنه فوق القانون، فهل هذا يليق في بلاد الحرمين الشريفين؟
نقلاً عن صحيفة "الحياة"