كيف تترجم: وريني عرض أكتافك

فهد عامر الأحمدي
فهد عامر الأحمدي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

كل من درس في الخارج تعرض لمواقف مضحكه مع أخطاء الترجمة الحرفية.. خذ كمثال طالب مبتعث عجز عن حل معادلة رياضية فاعتذر للمشرف عليه قائلا: It is above my window (كانت فوق طاقتي)...

ولاحظ أن الخطأ هنا لا يتعلق بالترجمة الحرفية ذاتها؛ بل في بناء جملة أجنبية حسب تركيبة غربية..

والحقيقة هي أن حتى خبراء الترجمة يعانون من مشكلة ترجمة العبارات التراثية أو الشعبية التي تخفي خلفها مغزى محلياً عميقاً..

أحد المترجمين العرب مثلاً كان برفقة زعيم عربي مشهور حين دار النقاش مع الرئيس الأميركي حول مشكلة فلسطين؛ فقال الرئيس العربي: من الواضح أن غزة أصبحت مثل مسمار جحا..

وهنا توقف المترجم (رغم كل خبرته وبراعته) ولم يعرف كيف يترجم (مسمار جحا) لرجل لا يعرف جحا ولم يسمع منذ طفولته حكايته مع مسمار أبيه..

غير أن المترجم كان ذكياً ومرناً حين قال: أصبحت غزة مثل شماعة الملابس يدخلونها لتعليق قبعاتهم فقط..

وهذه القصة توضح أن "الترجمة" السليمة لا تتعلق بالكلمات فقط بل بالمعاني والمواقف.. تتطلب (بالإضافة للمعرفة اللغوية) ذكاء ومرونة ومسايرة للظرف وإلمام بثقافة الأجنبي.. لا يمكنك أن تضرب مثلاً بجحا وسندباد وعنترة بن شداد لشخص نرويجي أو ياباني لم يسمع عنهم يوماً.. لا يمكنك ترجمة كلمات مثل شيشة وأرجيلة وولعة ونارة مالم تكن في مقهى شعبي يعيش الأجنبي جوه العام..

وتزداد الأمور تعقيداً حين تحاول ترجمة الأقوال الشعبية الدارجة في السعودية كونها تخفي معاني ثقافية ومفاهيم شعبية لا يعرفها الغريب.. فمهما كنت بارعاً في الترجمة يصعب عليك إفهام الأجنبي ما نعنيه ب"مهايطة" و "طير شلوا" و "الحي يحييك" و "الله لا يغير علينا" و "جاك الموت ياتارك الصلاة" و "اللي مايعرف الصقر يشويه"..

وكانت الجامعة الأميركية بالقاهرة قد أصدرت كتاباً بعنوان "العين الزايغة" يتضمن 100 تعبير دارج يستعملها المصريون (ويستحيل ترجمتها للأجانب).. ومن هذه التعابير عنوان الكتاب نفسه حيث يصف المصريون الرجل الذي لا يتردد في النظر للنساء بأن "عينه زايغة".. فالترجمة الحرفية هنا Roving eye تعطينا معنى خاطئاً ومختلفاً عما يقصده الناس خصوصاً أنها تعني أيضا "الرجل صاحب العلاقات النسائية الكثيرة"..

ومن التعابير الدارجة الأخرى التي يحاول الكتاب شرحها (ولا نقول ترجمتها) "حط في بطنك بطيخة صيفي" و"وريني عرض كتافك" و"وشك ولا وش القمر" و"سيرتها على كل لسان" و "رجلي على رجلك" و "ومن بقك لباب السما"...

وفي المقابل؛

.. ستواجه أنت أيضاً تراكيب لغوية غير شائعة أو غير متوقعة حين تحاول تعلم لغات جديدة؛ فحين يقول الإنجليز مثلاً: السماء تمر قططاً وكلاباً It's raining cats and dogs فهم يقصدون أنها تمطر بغزارة غير معتادة.. وحين يقول أحد الأميركان: أنا أفعل لا شيء I am doing nothing يقصد أنه فاضي ويكاد يموت من الملل.. وحين تكون جالساً في مكان عام قد يقترب منك أحدهم ويقول: ممكن أسرق هذا الكرسي? Can I steal this chair فهو يقصد ممكن أجلس بقربك Nن كان يكفي شخصين..

وفي المقابل حين أستمع إلى المحطات الإخبارية أسمع أخطاء لغوية مصدرها الترجمة الحرفية والمتعجلة.. فحين تقول المذيعة مثلاW "يمر اللاجئون بشروط صعبة" فهي تقصد "ظروف صعبة" .. وحين تقول "وأفاد المواطنون الذين خضعوا للاستجواب" فهي تقصد "الذين تجاوبوا مع الاستفتاء".. وحين تقول "ادعى الرئيس الروسي" فإنها تعني "أفاد الرئيس الروسي".. ولكن الترجمة الحرفية الصارمة تخرج دائماً بجمل مترجمة ركيكة..

كل هذا يؤكد أن الترجمة السليمة لا تتطلب فقط معرفة معاني الكلمات؛ بل وتتطلب عمقاً ثقافياً من المترجم، وإحساسه بالموقف، ومرونته في استنباط المعاني، وتاريخ طويل مع الأخطاء المحرجة..

ولأن المقال انتهى "شومي ذا وايدث أوف يور شولدرز"

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.