أغلى درس للعالم «مجاني»
يصنف علماء الإدارة التخطيط أنه من أهم علوم الدنيا لأي مشروع كان تافها أو عملاقا يحدد مصير أمم، التخطيط يتكون من ثلاث مراحل رئيسية وتلك المراحل هي وضع الخطة ثم تطبيقها وتوجيهها ثم تنفيذها على الواقع. هكذا ببساطة يكون التخطيط لأي مشروع بشكل أساسي. في كثير من المنظمات تجد قسم التخطيط يتبع مباشرة للرئيس التنفيذي، حيث إنه هو من يحدد توجهات المنظمة إلى أين ومتى تذهب لترسو على شواطئ تحقيق اهدافها القصيرة والبعيدة المدى. وأيضا هذا العلم كما أنه من أهم العلوم فأيضا هو حيوي ومتجدد ودائما ما تعقد له دورات ومؤتمرات لما يطرأ عليه من تجديد وتحديث وبالتالي فهو مكلف ماديا حيث ان فائدته ومخرجاته لا تقدر بثمن.
الأسبوع المنصرم قدمت المملكة أغلى درس في علم التخطيط لكل العالم مجانا بدون ريال ولا دولار واحد. كيف لبلد واحد بل ومدينة واحدة بل بجزء منها يضم المشاعر، أن يسكنه مليونا إنسان من حاج ومنظم يتحركون جميعا في أماكن محددة ومعينة وفي أوقات معينة كذلك بكل يسر وسهولة.
أعراق مختلفة ولغات مختلفة ومجتمعات متضادة وتوجهات متماثلة ومتعاكسة كلهم اتفقوا على دين واحد وركن واحد وشعيرة واحدة شعارهم «لبيك اللهم لبيك»، كيف لمثل هذا الحشد من البشر أن يُدار بكل سلاسة وسط تنظيم للمشاة والسيارات الكبيرة والشاحنات الناقلة وتهيئة الغذاء لهم والسكن. كل هذا شيء والتنسيق الحكومي شيء اخر، فهناك تنسيق أمني بمختلف الأجهزة وكذلك صحي ولوجستي وتنظيمي على كافة المستويات والكل يعمل كخلية نحل، مستشفيات متنقلة وثابتة تقدم أعلى المعايير الصحية والعمليات الكبرى والمعقدة، وسيارات ومراكز الاسعاف بطائراتها وسياراتها على أهبة الاستعداد، جنود عينهم لا تعانق النوم أقسموا على حماية حجاج بيت الله بذلوا جهدا عظيما، كل هؤلاء كان سندهم بعد الله ولي الأمر خادم الحرمين الشريفين -وفقه الله- الذي باشر بنفسه تنظيم الحج وولي عهده الذي كان ذراعه الامينة التي رعت بفضل الله الارض والعباد من كل عابث يريد زعزعة الامن واثارة البلبلة.
حراك عظيم في كل الدولة، فموانئ ومطارات وطرق معبدة تستقبل الحجاج من الداخل والخارج وكل هذا بفضل الله أولا ثم بخطة محكمة جعلت كل حاج يؤدي فريضته بكل يسر وسهولة واطمئنان، هذا الدرس يمكن للمملكة تدريسه للعالم بملايين الدولارات، اذ لا توجد دولة مهما بلغ تقدمها قادرة على إدارة مثل هذا الحج كل عام بهذه الكيفية التنظيمية، شتان بين من يدير تجمعات كبرى رياضية أو اقتصادية ويقارنها بالحج، فالكم والكيف مختلف تماما ففرق بين ان يتحرك الملايين في مكان واحد ووقت واحد ومن يتحرك أينما شاء ومتى ما شاء وقبل كل ذلك توفيق الله سبحانه لأن هذا العمل خالص لوجهه الكريم..
*نقلاً عن "اليوم"