.
.
.
.

انتهازي

محمد المختار الفال

نشر في: آخر تحديث:

اللغة كائن حي يعتريها ما يعتري الكائن الحي من أحوال الصحة والمرض والنجاح والفشل، التقدم والتأخر. وتتصف مفرداتها بما يتصف به أفراد الناس من خصائص اجتماعية (سيسيولوجية)، فهي تهاجر كما يهاجرون، وتختلط باللغات كما يختلطون بالمجتمعات، ترحب بالوافد من المعاني والمخترعات ولا تنفر من الضيف «المسالم» الذي ينسجم مع صيغها وتركيبها، فيبرز منها القادر على الانسجام مع تراكيب اللغات القادمة أو المستقبلة كما يكون في البشر الفرد الانطوائي والاجتماعي والمنسجم والنافر والقادر على التكيف وغير القادر. ويلحق بعض ألفاظها ما يلحق الإنسان، من حسن السمعة وسوئها، وإن كانت تختلف عن الإنسان في أسباب تشكل صفاتها، فليس لمفردات اللغة ذنب في هذه السمعة الحسنة أو السيئة، فحين أن الإنسان تسوء سمعته ويعلو صيته وفق مقاييس المجتمع ومفاهيمه وما يسوده فيه من علاقات ومدى التزامه بالقيم السائدة فيه في وقت ما، في حين أن سمعة الكلمات يصنعها الإنسان بحيله ومراوغاته وتجنبه للوضوح والشفافية في الكثير من الأحيان، وهو يلوّن مفاهيم اللغة ويجدد في دلالات مفرداتها بحسب حاجته وتطور فكره ورغبته في التعبير عما يدور في خلده بالصيغ التي تستجيب لحاجته في ظرف أو حال ما.

ويلاحظ المهتمون بتتبع تطور دلالات الألفاظ، أن ألفاظ العيب والفحش والسب من أكثر مفردات اللغة تجدداً وتغيراً، في حين تكون دلالات الألفاظ الخاصة بقيم الخير والفضيلة والصلاح من أكثرها ثباتاً وديمومة، ويعللون تجدد وتبدل دلالات ألفاظ العيب ببحث الإنسان عن «التعابير» غير المباشرة عن القيم والنعوت المكروهة والمرذولة والمستهجنة، فيلجأ إلى الكنايات والإشارات للتعبير عن مقاصده، وما تلبث تلك الإشارات و«المصطلحات» أن تتحول إلى مفردات جديدة في القاموس اليومي المستخدم، والرأي الغالب، بين أهل الاختصاص، أن اللغة نتاج البيئة، وهذا ما يفسر تمايز «البيئات الخاصة» الممثلة لنشاط الإنسان المتنوع، بقواميسها، فلكل مهنة «قاموسها» الدارج المستخدم بين أهلها، فأهل النجارة لهم «مفرداتهم» التي تختلف عن مفردات أهل الحدادة، على رغم تقارب المهنتين، وما يقال عن هاتين المهنتين ينسحب على غيرهما، ولك أن تتخيل عدداً غير محصور من «اللغات» الخاصة التي تتزامن في فترة واحدة من دون أن يشيع استعمالها خارج بيئتها الخاصة.

وقديماً تنبه علماء العربية إلى «لغات» البيئات الخاصة، فظهرت نماذجها في كتب الجاحظ عن المتسوّلين والمحتالين واللصوص، ومن أشهر ما سجله الأدب العربي القصيدة الساسانية للشاعر الماجن أبودلف الينبوعي (الينبعاوي)، في القرن الرابع الهجري، التي سجل فيها بعض مصطلحات المتسولين والمشعوذين في زمانه. كنت ذات مرة منتظراً في أحد مواقف السيارات بالقرب من أحد المراكز التجارية في مدينة جدة، وإذا بأذني تلتقط مقاطع عربية بمفردات غير مفهومة، فأصغيت إلى المتحدثين، فإذا هم عرب لكنهم يتواصلون برموز يفهمون دلالتها حول «الزبون» وتقدير قيمة سيارته وقدرته على دفع مكافأة تساوي مكانته. وفي قاموسنا العربي كلمات مظلومة شاهت دلالاتها وقبحت معانيها بحسب تعبير الإنسان واستخداماته، ومن ذلك مثلاً كلمة «انتهازي» التي أصبحت سيئة السمعة، لأنها تستخدم في الوصف السلبي لشخص لا يتردد في انتهاز الفرص بغض النظر عن الوسيلة أو الثمن، أي أن الغاية عنده هي الوصول إلى مآربه ولا مانع من التخلي عن كرامته وسمعته في سبيل تحقيقه أهدافه، وإذا تأملنا دلالة هذه الكلمة في أصلها القاموسي، نجدها تأتي للدلالة على وصف «محايد» للذي يستثمر الفرصة أي ينتهزها، وليس بالضرورة أن يتخلى عن القيم أو يتصف بسوء الأخلاق، فالتاجر الذي يدخل السوق لاستثمار أمواله وتأتيه فرصة «ينتهزها» أي يغتنمها حتى يصبح مشهوراً بالتقاط الفرص التجارية، وحينها يمكن أن نسميه «انتهازياً» من دون أن نقصد ذمه أو التقليل من شأنه، ورجل الصناعة الذي علم بأن شركة ما في مجال اهتماماته، تتعرض لمشكلات مالية ورأى إمكان توسيع صناعته بشرائها، يمكن أن نقول عنه «انتهازي» من دون أن تكون وصفاً يخل بكرامته وعرضه وشرفه، واللاعب المهاجم الذي يستثمر الفرصة النادرة ويوظف أخطاء دفاع الفريق الخصم ليسجل منها أهداف فريقه نسميه نهاز الفرص، ولهذا فهو «انتهازي» بهذا المعنى، وهكذا تتلون الألفاظ بتلون القيم السائدة في مجتمع ما.

هذه المقالة ليست دفاعاً عن «الانتهازيين» الذين لا يراعون قيماً ولا أخلاقاً في كسب عيشهم أو بناء علاقاتهم مع الآخرين، ولا تبريراً لحيل اللصوص الذين لا يتورعون عن «انتهاز» الفرص لأكل أموال الناس بالباطل، وليست دعوة إلى إحياء «دلالات» ميتة ساءت سمعتها وتخلى عنها الناس، بل هي إطلالة خاطفة على الواقع، باعثها تراجع العناية بهذه اللغة الجميلة بين الأجيال، فأردت أن أقول «إن ضعف اللغة وسوء سمعتها يرجع إلى أهلها».

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.