متى نرى قسماً علمياً في الصحافة السعودية..؟

عبد الله القفاري
عبد الله القفاري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

بينما نتحدث كثيرا عن رؤية 2030، إلا أنه لم تظهر محاولة لمواكبة هذه الرؤية الطموحة التي ترتسم العلم منهجا وتنويع مصادر الاقتصاد طريقا وتتبنى مشروعات تعتمد بناء قاعدة علمية منتجة.. لم تظهر محاولة لوضع الصحافة العلمية في حيز المشروع الكبير قراءة وكشفا وتأسيسا لتأخذ دورها في تلك الحزمة من برامج ومشروعات التحول الوطني.

الإعلام العلمي والصحافة العلمية، ليست سوى ممارسة صحفية، ولكن موضوعها وحقل نشاطها وكشفها وتحقيقاتها تتصل بالمنظومة العلمية البحثية والتقنية، وما يتعلق بها من مشروعات وقضايا تنموية تطال الصحة والبيئة والزراعة والتقنية وكل ما له صلة بمنتج هو ثمرة البحث والتطوير.. وما يتعلق بها من نجاح أو إخفاق وما يدور حولها من قضايا، سواء ما كان ذا صلة مباشرة بالإنسان في دوائه وطعامه وشرابه وبيئته أو ما له صلة بالمشروع التنموي الكبير المرتبط بقضايا البحث والتطوير المعتمد على القاعدة العلمية ونشاطاتها.

هل لدينا اليوم صحافة علمية، أم مجرد نشرة أسبوعية حول أعشاب طبية أو أخبار علمية عابرة تنقل من وكالات إعلامية، أو إعلان قصير عن جائزة علمية لا نعرف عنها الكثير؟

هل تعرفون علماء وباحثين وأطباء ومهندسين سعوديين مبرزين حققوا نجاحات كبيرة في مجال اختصاصهم.. وإذا كنتم تعرفون، فماذا عن قاعدة عريضة في مجتمع شاب تبدو قضايا العلم والتفوق في مجالات متخصصة طلاسم وتعقيدات.. حيث لم تقدم لهم عبر إعلام مواكب مادة وهدفا، يكشف معنى التميز والقدوة وطعم النجاح في حقل تتسابق الأمم على الركض في مضماره.. بينما يعرف هؤلاء الشباب الكثير عن نجوم كرة القدم والفن.. وهم لا يلامون، بل يلام من لم يدرك بعد أهمية أن يكون هناك نوع من التوازن في مهمة إعلامية وتثقيفية، حيث للنجاح والتفوق طعم واحد، ولكن العائد الأكبر في قطف ثمرة التفوق العلمي والإبداع في تخصصات علمية دقيقة ينافس بها الغرب والشرق الناهض ويعظم من خلالها اقتصاديات بلاده، ويراكم خبراته ويكرس نجاحاته!!

هناك نشاط حافل خلال العام للعديد من القطاعات ذات الصلة بالبحث والتطوير تطال قضايا وتخصصات علمية مختلفة.. إلا أننا لا نرى تغطية حقيقية تكشف أوراق تلك الندوات والمؤتمرات، ولا نطالع تحقيقا أو تقريرا عن تلك الفاعلية، ولا نحظى سوى بخبر صغير ربما أعدته إدارة العلاقات العامة في ذلك القطاع مسبقا!!

متى قرأتم تحقيقا أو لقاء مع عالم أو باحث يعمل في مشروعات غاية في الدقة والأهمية.. هل تتبعتم مسيرة مشروع علمي حتى رأيتم ثمرة إنجازه أو إخفافه.. وأين تكمن تلك العقبات، وأين تلك البراءات من الاختراعات التي تسمعون عنها، ولكن نادرا ما سلط الإعلام عليها الضوء باعتباره ثمرة عقول وإبداع وقدرة على المنافسة!

لا أريد أن أستعرض أسماء علماء وباحثين سعوديين مبرزين في الداخل أو الخارج لم نعرف بعضهم إلا بعد أن سلطت عليهم الأضواء الصحافة الغربية التي تعتبر الصحافة العلمية جزءا من مهمتها، ولديها خبراء صحفيون علميون يحصلون على تقدير كبير، ويحضرون المؤتمرات ويناقشون الباحثين، ويسلطون الأضواء على الكشوف الجديدة، ويتنقلون من مؤتمر علمي لآخر في أرجاء العالم.. ليضعوا القارئ في عين مشهد التطورات العلمية والكشوف المتسارعة.

والاهتمام بهذا القطاع من الإعلام ليس من أجل مواكبة التطورات العلمية فقط، ولكن أيضا من أجل بناء وعي وتقديم نماذج رفيعة تصبح في وجدان القارئ والنشء مع مرور الوقت أيقونات وطنية، وسنجد حتما أن هناك الكثير من أبناء الجيل والأجيال القادمة الذي يطمح للسير في هذا الطريق.. وهو يجد في نفسه ميولا قوية نحو تلك التخصصات.

كما أن تسليط الضوء على قضايا مرتبطة بتلك العلوم ومنتجاتها.. من شأنه أن يصنع وعيا قويا في المجتمع حيال ممارسات أو ارتكابات تطال صحة الإنسان ودوائه وغذائه وبيئته.. وكم من ارتكابات وممارسات خاطئة في التعامل مع منتجات العلم والتقنية في مجالات عديدة دفع المجتمع ثمنا باهضا لها.

إنها قضية مرتبطة بعدة جوانب، منها ما يتعلق بزيادة الوعي العام بأهمية العلوم وتطبيقاتها، وتقديم نماذج القدوة لحفز المجتمع على تمثل تلك المسارات المنتجة تعلما وطموحا. وجزء يتعلق بزيادة جرعات الوعي المجتمعي حيال التعامل مع ما يتعلق بحياته وصحته وغذائه وبيئته.. وجزء مرتبط بالكشف والتحقيق في قضايا وطنية لا بد من الاقتراب منها ولكن بقدرات صحفي علمي متخصص.

صناعة العقل العلمي النقدي ذي النزعة الاستقصائية كفيلة بردم فجوة واسعة تأتي منها رياح الخرافة وتجار الأزمات والأمراض والممارسات السلبية والسلوكيات المدمرة.. وهذا لن يحدث طالما كانت الصحافة بعيدة عن صناعة الإعلام العلمي ووعيها بدوره في صناعة المجتمع ذاته.

وهذا لن يحدث فقط من خلال تحرير صفحة أسبوعية لنشر ثقافة علمية متوفرة اليوم بكثرة في مواقع الإنترنت.. هذا يحدث عندما تتبنى الصحافة السعودية مشروع بناء أقسام علمية داخل مؤسساتها أسوة بالأقسام الفنية والرياضية والاقتصادية.. أما كيف يمكن الشروع في هذه الخطوة.. فهذا سيكون موضوع حديث قادم.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.