الشخصية الجيكلية

فهد عامر الأحمدي
فهد عامر الأحمدي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

أعتقد أننا جميعنا نملك شخصيات انفصامية اختيارية تعيننا على التأقلم مع واقعنا المتغير.. نملك مجموعة من الأقنعة والشخصيات التي نتلبسها ونتخفى وراءها بحسب الظروف والمناسبات. الفرق أن الأشخاص العاديين (أو لنقل العقلاء) يتحكمون بشخصياتهم ويتعاملون معها بشكل اختياري وواعٍ؛ في حين يتلبسها المرضى النفسيون كحقيقة لا يميزونها عن الواقع (لدرجة يملك بعضهم عدة شخصيات لكل منها اسم وصوت مختلف نعتقد أنها "تـلبـس" في حين تعرف في علم النفس بمتلازمة تعدد الشخصيات ـ أو Dissociative identity disorder)...

واعتقد شخصياً أن رواية "الدكتور جيكل ومستر هايد" مثال على الشخصية الانفصامية الاختيارية التي تم بناؤها على وقائع حقيقية؛ فقد نشرها الأديب الإنجليزي لويس ستيفنسون عام 1886 بعد أن علقت في ذهنه الشخصية المزدوجة لرجل الدين وليام برودي حين سمعها من مربيته وهو صغير. فقصة برودي الذي عاش في اسكتلندا قبل 231 عاماً تحولت مع الأيام إلى أسطورة شعبية ومثال للشخص الذي يعيش حياة مزدوجة. فقد كان شخصية مرموقة في أدنبره وعضواً في المجلس البلدي بالإضافة إلى ترؤسه نقابة المهنيين. وكان في الظاهر شديد التدين ومحبوباً بين الناس وتبدو عليه مظاهر الخير والطيبة ويسر الحال.. أما في الخفاء فقد كان نموذجاً للجانب المظلم من النفس البشرية؛ فقد كان مقامرًا ظالمًا يعشق المراهنات ويغتصب الأطفال ويملك عدة عشيقات وله خمسة أطفال غير شرعيين. والأدهى من هذا أنه كان زعيماً لعصابة من اللصوص كانت وراء سلسلة السرقات والاغتيالات وحوادث الاختطاف التي بدأت في ادنبرة منذ عام 1786. وقد وصلت جراءته حد اغتيال بعض رجال المجلس المنافسين له وسرقة جامعة ادنبرا وخزانة الضرائب الرئيسية.. بل وحتى الصولجان الملكي!

وحين ضج الناس من هذه الأعمال المرعبة قاد بنفسه المظاهرات الشعبية التي تطالب بالقبض على العصابة – بل إنه تطوع لمساعدة الشرطة بالمال واتباع الكنيسة!

ولم تبدأ خيوط اللعبة بالانكشاف إلا حين عرضت الحكومة الاسكتلندية جائزة ضخمة ووعدًا بالعفو عن أول لص يتمرد على العصابة ويكشف هوية قائدها. وبالفعل وشى أحد اللصوص ببرودي ولكنه اختفى في آخر لحظة رغم القبض على كامل أفراد العصابة. وبعد سنتين من التخفي ظهر في لندن كتاجر قمح ولكن سرعان ما فضح أمره فهرب إلى أمستردام إلا أنه أعيد إلى اسكتلندا وأعدم في أغسطس عام 1788!

وبإيحاء من سيرة برودي هذه كتب ستيفنسون روايته الشهيرة "الدكتور جيكل ومستر هايد".. الدكتور جيكل الذي يتصرف في النهار كطبيب نبيل وأرستقراطي محترم ويتحول في اللـيل إلى وحش جبار ومجرم بشع يتناول لحوم البشر..

والآن؛ أحسب معي كم شخصية (جيكلية) تعرفها حــولك !!

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.