توقعات في مسار عام جديد!!
تحظى القراءات والتوقعات المبنية على معطيات الحاضر بأهمية خاصة، والتي تعترف بما يسمى باستشراف المستقبل بناء على نماذج وسيناريوهات تعتمد الخروج بنتائج منطقية لمقدمات يمكن تلمسها وقراءة أبعادها ومؤشراتها وتطوراتها..
قبل أن يبدأ العام الميلادي الجديد سيطل عليكم -ككل عام- من ينشرون توقعاتهم ونبوءاتهم لحادثات عام لم يبدأ بعد.
لا أؤمن بضاربي الودع وقارئي الكف والماسحين عن كريات العالم الزجاجية المبهرة.. كما لا أؤمن بقراء الأبراج وصناعة الحظ وترويج ما تتصنعه أحداق المشعوذين.
في المقابل، تحظى القراءات والتوقعات المبنية على معطيات الحاضر، والتي تعترف بما يسمى باستشراف المستقبل بناء على نماذج وسيناريوهات تعتمد الخروج بنتائج منطقية لمقدمات يمكن تلمسها وقراءة أبعادها ومؤشراتها وتطوراتها.
الحديث هنا سيكون عن مجال عام يلمسه كل ذي بصر وبصيرة، وسأسمح لنفسي اليوم بقراءة ملامح عام قادم بناء على معطيات ومقدمات بين أيدينا.. بما يسمح به حيز مقال.
على المستوى الداخلي.. ستكون التأثيرات التي ستترتب على الإجراءات التي أقرت حول ضريبة القيمة المضافة وارتفاع أسعار الطاقة عامل مهم في إعادة ترتيب المجتمع لأولوياته. وأتوقع أن يكون العامل الاقتصادي مؤثراً كبيراً في تغيير سلوكيات الاستهلاك تحديداً.. سواء على مستوى الغذاء أو الطاقة أو الترفيه والسفر والسياحة.
لا عامل فاعلاً كالعامل الاقتصادي في التأثير على سلوكيات مجتمع. زيادة كلفة الحياة سيترتب عليه إعادة ترتيب الأولويات. ستتقلص تلبية الاحتياجات الكمالية لتصبح الضرورية في المقدمة.. وبطريقة لا تسمح لكثير من الكماليات أن تستهلك دخلاً محدوداً.
أتوقع أن يتراجع الطلب على السيارات التي تستهلك وقوداً أكثر، وأن تعيد كثير من الأسر توزيع الدخل بطريقة أكثر صرامة في الإنفاق. وقد تظهر مؤشرات لحالات أسرية دخلها لم يعد يفي بحاجاتها.. مما يؤدي إلى تقلص في حدود طبقة وسطى تكافح لتظل تراوح مكانها.
وستظهر فئات اجتماعية -خاصة من الشباب- تبحث عن عمل لم تكن لتقبل به في ظروف الوفرة.. ستتراجع وجهات السفر وثقافة السفر.. وستظهر ملامح تقشف لمواجهة كلفة حياة لم تكن منضبطة، ولم تكن في حدود الكفايات، ولم تكن تأبه للمال السهل الحصول عليه أو تعدد فيه مصادر الاقتراض. وهذه الظواهر لن تخرج بين يوم وليلة، ولكن حتماً ستتراكم لتصبح مؤشراً على تحولات لابد منها.
الوقود والكهرباء والبضائع الرخيصة لن تعود كما كانت.. وبالتأكيد ستكون عامل ضغط على الدخل، إلا أن هذا لن يخلو من إيجابيات.. ستكون حركة الشارع مستجيبة بشكل أو بآخر لهذه التطورات. مما يعني تقنين الحركة والاستهلاك لتصبح في حدود الضرورات.
الاستهلاك الشره في كل شيء دمر ثقافة جيل. أتمنى أن تختفي هذه الظاهرة التي جعلتنا أكثر الشعوب هدراً للطعام والوقود، وكأننا نسبح على بحر من المال لا شطآن له. لكن في المقابل أرجو أن يؤخذ بين الاعتبار أهمية تعميق الثقة بين المواطنين والحكومة بتوظيف عوائد أموال الضرائب الجديدة لخدمة المجتمع في وجوه لا يعتريها الخلل أو الفساد أو الهدر.
الحاجة أم الاختراع، ولذا ستكون ثمة مؤشرات ومسافات للـتأقلم التدريجي مع تلك القرارات، بما فيه تغيير سلوكيات اجتماعية تتعلق بالإنفاق أولاً، والخيارات المتاحة ثانياً..
أما ما يتعلق بقضايا الخارج.. فالمتوقع وفق المسارات الحالية والمؤشرات التي نراها اليوم أن تخرج سورية الجريحة والمدمرة في عام 2018 من مرحلة الصراع العسكري إلى مرحلة الصراع السياسي.. مع بقاء جيوب مقاومة للنظام وحلفاؤه هنا وهناك. تطورات المسألة السورية توحي بأن العام القادم سيكون عاماً حاسماً في مستقبل التكوين السياسي لسورية ما بعد الحرب. أرجو أن تنتهي مرحلة الأسد الابن، إلا أنه من المتوقع أن تبقى المنظومة الحاكمة لسورية التي صنعت على عين الأسد الأب تتحكم إلى حد كبير بالمشهد القادم مع إعطاء مجال محدود لتيارات ومنظومات يمكن أن تتعامل مع المرحلة الجديدة.
أما اليمن فالمتوقع أن يكون عام 2018 عاماً مؤثراً في الصراع بين السلطة الشرعية المدعومة بالتحالف العربي والنظام الحوثي.. مسار الأحداث والتطورات بعد رحيل صالح يحمل جملة من المؤشرات على حدة الصراع والاستقطاب.. دخول التجمع اليمني للإصلاح في مسار الحشد والتأييد لشرعية الرئيس هادي ربما يكون عاملاً إضافياً ومهماً في مسار المعارك القادمة لاستعادة اليمن من براثن الحوثي والمشروع الإيراني.. ربما تتغير وجوه القيادات في اليمن استجابة لمرحلة تتطلب الحسم. لن يكون حسماً سريعاً إنما تسارعاً في تطورات الأحداث هناك.. ربما يؤدي إلى صيغة أو أخرى من الحل لن تتضح معالمها إلا خلال العام القادم.
أما العراق فالمتوقع بعد التخلص من تنظيم داعش أن تتحول بوصلة الصراع للداخل.. فبعد دحر داعش ومواجهة الانفصال الكردي سيكون الصراع محتدماً سياسياً.. وسيكون بين أنصار إيران والمرتبطين بها عضوياً في مشروع العراق والمنطقة.. وبين تيار يتصاعد في الداخل بحثاً عن استعادة وجه عراق أكثر استقلالية في القرار السياسي.. ناهيك عن أزمات الحياة والمعيشة والخدمات التي ظلت تتوارى خلف انفجارات القصف والحروب طيلة السنوات الماضية.. والتي من المتوقع أن تكون ذات تأثير كبير في مجريات الساحة العراقية خلال عام قادم.
*نقلا عن "الرياض"