لماذا تزداد الدول الفقيرة فقراً؟

عبد الله القفاري
عبد الله القفاري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لطالما جاء السؤال: لماذا دول كثيرة في العالم، ما زالت تعاني من الفقر رغم مواردها الطبيعية الهائلة.. بل إن بعضها تزداد فقراً، وتتمدد هذه الظاهرة في دول عديدة في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، حيث ما زالت دول عديدة ترزح في أوحال الفقر والفاقة.

وإن كانت بعض الدول العربية أفضل حالاً، إلا أن منها اليوم ما يكاد يعيش حالة الكفاف والأوجاع المستمرة لأسباب كثيرة، إلا أن السؤال يظل قائماً. كيف لبلدان تتوافر لها مقومات كبيرة للنهوض ما زالت تسجل معدلات سريعة في زيادة نسبة الفقر والفقراء؟!

في دراسته لحالة دولة الكاميرون الإفريقية، بلاد الكاكاو والبن والقطن، يذهب الاقتصادي «مانكور أولسون» إلى أن أكبر ما يعوق النمو في الكاميرون هو الاستيلاء على المال العام.. وهو مسلسل يتفشى من رأس الهرم.. مروراً بالمسؤولين في الحكومة، وحتى القاعدة الاجتماعية العريضة التي تولدت لديها ثقافة الاستيلاء على كل ما يمكن نهبه، بغض النظر عن معنى النفع العام لهذا المال أو احترام حيازته تحت مسؤولية نظام وقانون لم يعد فاعلاً.

ويضيف «أولسون»: أنه لن يكون من الغريب أن يدفع المسؤول هناك بعجلة الاقتصاد عبر قروض واستثمارات، إلا أنه أيضاً يعلم أنه بهذا سيحصل على نصيبه من الكعكة الكبيرة!!

وهذا بدوره سيزيد من فرص الفساد لأن الكعكة ستصبح أكبر.

إنها متوالية الفساد، التي توزع حصصها على قطاع أوسع لاستمرار دورة الفساد ولضمان تمرير عملياته. وهذا بدوره لن يتوقف عند هؤلاء، ولكنه يصل إلى شرائح أصغر من موظفين يدخلون تلك الحلقات عبر الرشى وتخطي النظام والقانون.. لتصبح تلك النماذج عنواناً لافتاً في مجتمع يتحول تدريجياً إلى إنكار مفهوم المال العام على نطاق أوسع، وسيكون حينها من الصعب محاصرة الفساد أو التحكم به.

وإذ يؤكد هذا الاقتصادي، أن أكبر ما يؤدي لفشل التنمية، ألا يتم دعم وتشجيع المشروعات والأعمال التجارية التي تتوجه للصالح العام.. وأرباب العمل لن يمارسوا أعمالهم التجارية بشكل صحي لصعوبة ذلك في أجواء الفساد والمحسوبيات، وبالتالي لن يدفعوا الضرائب، ومسؤولون في الحكومة سيطلبون تنفيذ مشروعات قد تكون فائدتها متواضعة مهما غطيت ببريق الأهمية بهدف الإثراء غير المشروع من خلال تلك المشروعات، والطلاب في مدارسهم أو جامعاتهم لا يمانعون من الحصول على مؤهلات غير مفيدة.

ليست مشكلة دول كثيرة فقيرة في أن إمكاناتها الطبيعية أكبر بكثير من قدراتها، أو أن بنيتها التحتية ضعيفة والاستثمارات ضئيلة والتعليم ضعيف.. ولكن الأسوأ من هذا أن شبكة الفساد فيها سوف تحيط بكل جهد لتطوير تلك البنية أو جذب الاستثمار أو الارتقاء بمستوى التعليم.

وليس من الجديد أن نسمع عن دور للفساد في عرقلة التنمية، وأن نكتشف أيضاً أن الأنظمة والقوانين - مهما كانت دقتها ووضوحها - عندما لا تحظى بالاحترام والامتثال والتطبيق، فإنا نفهم جزءاً من تلك الهوة الكامنة بين الدول الفقيرة والغنية.. القوانين تبقى نصوصاً جامدة، لا تأثير لها أو مفعول، ما لم تتجسد على أرض الواقع تطبيقاً ومحاسبة.. واحتراماً لسلطة القضاء، الذي يعد رمانة الميزان، التي تعيد للمجتمع توازنه وتدفع به لامتثال نظامه.

إلا أن احترام القانون ليس رهناً فقط بمؤسسة القضاء، خاصة عندما يخضع للسلطة، بل رهن أيضاً بواقع ثقافي واجتماعي وسياسي، فماذا يمكن أن تفعل بسارق صغير أمام مافيات اللصوص الكبار الذين يحظون بالحماية والنفوذ!!

يتساءل «أولسون» عن رأي مناسب يمكنه تحديد ما ينقص العديد من الدول الفقيرة.. وهناك مسميات للعديد من تلك الحلول: كرأس المال الاجتماعي أو بناء الثقة أو حكم القانون.. إلا أنه يقف عند نقطة بالغة الأهمية حيث إن معظم مواطني تلك الدول الفقيرة لا يترددون في القيام بالأعمال التي تسبب الضرر للآخرين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر؟ أي بمعنى آخر شيوع ثقافة الفساد، أو تدهور أخلاقيات الحقوق، أو انهيار منظومة الردع الذاتي ووازع الضمير.

وعندها يتوقف «أولسون» عاجزاً عن تقديم وصفة مقنعة سوى أن طريقاً طويلاً ينتظر هذه الدولة أو سواها من الدول الفقيرة، فمرة يستعيد العلاج الغربي السهل الممتنع، السهل تنظيراً والمحتبس تطبيقاً في دول كثيرة.. ليتوقف دون إجابة شافية سوى التعويل على الطريق الشاق أمام هذه الدول لتبدأ مشوارها في علاج مشكلاتها مع الفقر والتنمية!!

أما الديموقراطية، فالتجارب في العديد من الدول المتخلفة أو المسماة تلطفاً بالنامية أكدت أنها ديموقراطيات هشة وعاجزة.. فبلدان الفقر لن تطعمها ديموقراطيات بلا أنياب.. وهي بدورها ستتحول لمعبر لمشروعات فساد أخرى، وبالديمقراطية المزيفة سيتواصل نفوذ ذات القوى المتحكمة بالمجال العام بالمال الفاسد وشراء الذمم حتى تحت ظلال عنوان ديموقراطي مفرغ من مضمونه.

الديمقراطيات الغربية لم تصعد في ظروف دول جنوب الصحراء الإفريقية، هناك قوى تكونت وثقافة تشكلت وصراع تم حسمه.. وهي ديموقراطية بأنياب وحراس شداد.. ومع ذلك فقد رأينا أن المتاجر في بعض الولايات الأميركية تكون أول مشروع نهب وسرقة في حال انقطاع الكهرباء أو هبوب الأعاصير المدمرة.

ابحثوا عن نموذج آخر ربما تجدوه، محدداته الأساسية إعادة بناء ثقافة مجتمع/ وتمكين القواعد الأخلاقية/ وصناعة القدوة/ وبناء دولة مؤسسات غير قابلة للاختراق.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.