"هَيد هَيد دُه دُه".. كلمات تنصاع لها "سفن الصحراء"
"الحداء".. ألحان رعاة الإبل التي تطرب لها "عطايا الله"
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في إحدى الصحاري القريبة من مدينته - الجزء الشرقي – من السعودية، يذهب شاب يومياً ليتابع مجموعات من الإبل التي ورثها عن والده. يرفع سلطان العنزي صوته بأهازيج غير مفهومة، فيها كثير من التلاعب بالصوت. تجتمع حوله الإبل. تسير بصفوف منتظمة بناء على تلك الأهازيج، وكأن بينها وبينه لغةً مشتركة.
ورث.. إبل وحداء
ورث ذلك الشاب السعودي الثلاثيني عن والده أعداداً من الإبل. وورث أيضاً شجناً من نوعٍ خاص، وهو "الحداء". "تعلقت بها منذ نعومة أظفاري. ولعت بإبل والدي منذ الصغر. كنت أقضي بقية يومي بعد الخروج من المدرسة معها. استمر بي الحال حتى أكملت دراستي الجامعية. وتزوجت وأنجبت أطفالاً، أتمنى أن يأخذوا مني ما اكتسبته من والدي. أعتقد أن هذا الأمر لن يحدث، لأن الجيل الحالي صعب، واهتماماته مختلفة".. يروي جزءاً من قصته.
ما هو الحداء؟
الحداء هو نوع من الأهازيج التي تصنف كموروثٍ شعبي في الجزيرة العربية، وهو وسيلة للتواصل بين الإبل وملاكها أو رعاتها. ويعد من الشعر الخفيف الذي يستخدم لتطريب الإبل، ويعرف عنه بساطة المفردات المستخدمة، وقلة الكلمات، وتنظيمها، وفق ألحانٍ في أغلبها تحاكي ما بداخل مؤديها من همٍ وشجن.
التدريب بـ"الهوبلة"
ويعرف عن الإبل تفاعلها العاطفي تجاه الراعي الذي يلازمها ويعتني بها، ويحرص ملاكها على تدريب قطعانهم، باستخدام مقطوعات من الأصوات التي يصدرها الراعي بصوته، أو ما يسمى بـ"الهوبلة".
مفردات موروثة
وبحسب ما تم تناقله في بعض معاجم اللغة، فإن راعي الإبل أو مالكها يستطيع حث إبله بمفردات مثل "هَيد هيد، هي دو هي دو. دوه دوه. دُه دُه (بضم الدال)، داه داه"، وقد تناقلت الأجيال ذلك، بل إنه تحول موروثاً في السعودية على وجه الخصوص.
الحداء والعصر الجاهلي
ومن خلال بحث في علاقة الإنسان بالإبل، تشير بعض الدراسات إلى أن الحداء كان معروفا منذ العصر الجاهلي، وعادة ما يُقال للإبل عند وردها إلى الماء، أو عند سيرها إلى المرعى، أو الترحال من مكان إلى مكانٍ آخر، وعودتها إلى مستقرها، أو كما يسميه العامة بـ"المُرح – أو المراح".
قائمة اليونيسكو
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2022، نجحت السعودية في تسجيل هذا الموروث "حداء الإبل" ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم الثقافة "اليونسكو"، بالتعاون مع سلطنة عمان، ودولة الإمارات العربية المتحدة، كأحد عناصر الموروثات التي لا تزال حيّةً في التراث الشعبي.
تدريب النساء والأطفال
وكان يحرص كبار السن في الجزيرة العربية على تعليم نسائهم وأطفالهم هذا النوع من الفن المرتبط بالإبل، واشتهر ذلك في بادية المملكة التي لا يزال أبناؤها وبناتها يرددون ذلك الموروث الشعبي على مسامع إبلهم حتى اليوم.
دعوة للتفكر والتدبر
وهذا ما يقود للعودة لسلطان العنزي، الذي تحدث لـ"العربية.نت" عن تجربته منذ طفولته، وقد دربه والده من حيث لا يعلم على هذه الأهازيج. يقول: "كنت أحفظ من والدي تلك الأهازيج. أسرتني علاقة الإبل به. حين يصيح لها بصوته تجتمع وكأنها تفهم النظام والانتظام. كان يسوقها للماء بصوت واحد وكلمة واحدة. أطلق على عديد منها أسماء خاصة. حين يناديها تحضر إليه، ويعطيها خبزاً من باب التمييز والترف. بعضها إن لم يكن جميعها يعرف صوت مركبته إذا حضر. والآن هذا الأمر يتكرر معي. العلاقة بين الإبل والإنسان برأيي ملفتة للانتباه، ومدعاة للتدبر والتفّكر".
اهتمام سعودي رسمي
ولم يكُن تسمية السعودية لعام 2024 بـ"عام الإبل" بلا مضمون، بل جسد الاحتفاء بهذا المخلوق، لما يشكله من قيمة ثقافية في حياة أبناء الجزيرة العربية منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، فقد كان حاضراً في اجتياز المسافات، وتخطي وحشة الطريق، وله وجوده في القصائد والشعر، والحكايات التاريخية، ومضرباً للوفاء، وشاهداً على الأصالة، ما جعل الرياض تتعامل معه كعنصر ثقافي أساسي من عناصر الهوية السعودية.
احتفال سنوي
ولأن الإبل تعني للسعوديين، فقد أسست المملكة مهرجاناً سنوياً للاحتفال بالإبل، أطلقت عليه "مهرجان الملك عبد العزيز للإبل"، يشرف عليه نادٍ خاص للإبل أُسس بأمرٍ ملكي، كناية عن الاهتمام بهذا الكائن الذي امتطاه الأجداد لتوحيد الدولة.
"عطايا الله"
ويفضل السعوديون وأبناء منطقة الخليج تسمية الإبل "عطايا الله"، تعبيراً عن الاعتزاز بالعلاقة التاريخية مع هذا الكائن الذي تحمّل الصحاري والقفار وفاء للإنسان منذ آلاف السنين، طبقاً لما تؤكده النقوش التاريخية على صخور وجبال الجزيرة العربية، والتي تعد شهادة على حضارات كانت الإبل حاضرة في تفاصيلها الدقيقة.
-
مهرجان المؤسس ينعش أسواق الإبل.. والأسعار من 15 إلى 100 ألف
ارتفاع الطلب على المغاتير والخلفات والحشوان
السعودية -
للسنة العاشرة.. السعودية تعزز موروث الإبل بأكبر مهرجان في العالم
باتت جزءاً من هوية وطنية تحافظ على التراث وتلتزم بالحداثة
السعودية -
ما هي قصة "حارسات التراث" السعوديات في مهرجان الإبل؟
"الخروج" و"الشمايل" والقلايد" مصنوعات يدوية لسفن الصحراء
السعودية