.
.
.
.

العمالة المغتربة ليست أجنبية

علي بن حسن التواتي

نشر في: آخر تحديث:
تتجاوز حملة توظيف السعوديين العاطلين عن العمل حدودها العملية والمنطقية عند البعض إلى حد التهجم على المغتربين العاملين بالبلاد ووصفهم بالأجانب الذين لا بد أن يغادروا..

ولا بد في البداية من توضيح أن استخدام مفردة أجانب في وصف من يعملون في أية دولة لا يحملون جنسيتها هي مفردة تفتقر للياقة في وصف هذه الفئة من العاملين الذين يشاركون في تنمية بلاد غير بلادهم بسبب نقص الموارد والحاجة للعمل. ولذلك علينا أن نتعود ونعود أبناءنا على وصفهم بالمغتربين. لأن من يعمل في بناء أي بلد أو مؤسسة أو بيت لا يمكن أن يكون أجنبيا عنه فقد اختلط عرقه وربما دمه بإنجازه حتى ولو وضع طوبة في مبنى وستبقى رائحته العطرة تفوح بذكراه ما دامت الحياة.

ولأن مفردة المغتربين هي المفردة التي تنص عليها المعاهدات والأعراف الدولية وتترتب عليها التزامات وحقوق وواجبات. ولذلك لا يجوز أن نشطب كل التزاماتنا الدولية والإنسانية بالتعامل بفوقية مع الآخرين، خاصة ممن يحملون جنسيات دول فقيرة لأننا نعلم علم اليقين أن التعالي أو هضم الحقوق لا يمكن أن يمس المغتربين من جنسيات دول غنية وقوية.

والأغرب في كل هذه الحملة حساب المبالغ التي يحولها المغتربون إلى بلادهم واعتبارها هدرا من الثروة الوطنية وكأنما عليهم أن يعملوا مجانا ولا يحولوا جانبا من أجورهم لبلادهم. وحتى العمالة التي توصف بالسائبة فرغم أن هذا الوصف مسيء أيضا إلا أن المسؤول عنها هم من سيبوها من المواطنين ليأكلوا من كدّها وهم قابعون في جحورهم.
وكلنا نعلم بأن هناك العديد من الدول الكبرى تفتح الأبواب على مصراعيها لمن يرغب في الهجرة من أجل العمل. وكثير منا كأفراد ومؤسسات يقبلون الأيادي في مكاتب الاستقدام ويوسطون من يعرفون ومن لا يعرفون في سبيل الحصول على (فيزا) إضافية لاستقدام المزيد من العمالة المغتربة.

هؤلاء المغتربون يعلمون أبناءنا على كافة المستويات وفي تخصصات لا نجيدها أو نعاني من نقص فيها، وهم يدربون جنودنا على استخدام الأسلحة الحديثة للدفاع عن بلادنا عند الحاجة، ويعتنون بمرضانا في المستشفيات ويصلحون لنا الطرقات ولا يمكن الاستغناء عنهم حتى وإن وصلت البطالة بين السعوديين إلى الصفر ووصلت نسبة الموظفين منّا إلى مئة بالمئة بما في ذلك النساء والأطفال والمتقاعدين أيضاً. فالقوة العاملة في بلادنا كما تعلمون لا تتجاوز ستة ملايين بين (15-60) عاماً. وتعلمون أننا نحتاج لما لا يقل عن خمسة أضعاف هذا العدد لزيادة الطاقة الاستيعابية للاقتصاد والتعجيل في استكمال تنفيذ المشاريع الكبيرة في هذه الدولة العربية الأكبر حجما في المشرق العربي.

وآمل بدلا من استخدام مشجب العمالة المغتربة في التغطية على تقصيرنا في توطين الوظائف وعجز نظامنا التعليمي والتدريبي عن تأهيل الأبناء والبنات لسوق العمل الحديث، أن نستفيد من هذه العمالة ونشجعها حتى نرفع من كفاءتها للمساهمة الإيجابية بتنمية بلادنا.

فتوطين الوظائف لا يمكن أن يتم من خلال فرض نسب التوظيف بأشكال ومسميات وألوان مختلفة. فهذا المدخل أثبت فشله الذريع ليس في بلادنا فحسب ولكن على مستوى العالم خاصة في دول الخليج العربية ما دفع بالعديد من الدول إلى التخلي عنه منذ أمد بعيد. والتدريب على العمل لا يكون بالتركيز على القشور وتفريغ المحتوى والمضمون.

المدخل الصحيح لتوطين الوظائف يجب أن يبدأ من (وزارة التخطيط) بإعداد خطة التوظيف الاستراتيجية الوطنية التي تصنف فيها الوظائف تصنيفاً دقيقا إلى مستويات وتخصصات وترسم فيها سياسات عامة تحدد فيها الوظائف المسموحة للمغتربين والمقتصرة على المواطنين على اسس مهنية إضافة للأمنية على أن تعمل في ضوئها كافة القطاعات الاقتصادية العامة منها والخاصة وتوضع لها الخطط التفصيلية المربوطة بجداول زمنية محددة.

أما التدريب فيجب أن يكون مبتكرا ومشتركا بمعنى أن تعقد تحالفات استراتيجية مع معاهد ومراكز تدريب عالمية بلغات مختلفة للتدريب الفني والمهني داخل وخارج البلاد وعلى رأس العمل مع وقف استحواذ فئة معينة من المواطنين المتمكنين لغويا والفارغين علمياً على التدريب الفني الذي يراوح مكانه منذ أمد بعيد بسبب التفرغ للمحسنات اللفظية بتحويل كلمة كمبيوتر إلى حاسوب والشاشة إلى مرقاب والانترنت إلى الشبكة العنكبوتية ..الخ. حتى وإن كان التعريب ضروريا فعليهم أن يتركوه لأهله المتفرغين في المجمعات اللغوية السباقة للشاطر والمشطور والكامخ والمكموخ وعليهم أن يتفرغوا لما كان عليهم التفرغ له أصلاً.

*نقلا عن صحيفة عكاظ السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.