أسس جديدة للاستقرار المالي

لويس حبيقة
لويس حبيقة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

معظم النظريات الاقتصادية فشلت في تنبؤ الأزمات خاصة الأخيرة في عام 2008 . ترتكز النظريات الاقتصادية الرئيسية على افتراض أن الاقتصاد يسير بدوراته العادية ارتفاعاً وانخفاضاً، وأن الأزمات تحدث بشكل مفاجئ أي يستحيل تنبؤها بل يستحيل تطبيق سياسات تمنع حصولها . لا توجد أسباب هيكلية ومبدئية داخل الأنظمة الاقتصادية تؤدي إلى حصول أزمة، بل هنالك مفاجآت تحصل وتمر فتعود الدورة إلى طبيعتها العادية . عبر هذه النظريات، لا يمكن تنبؤ الأزمة بل يمكن فقط تحليلها ودراستها وتقييمها بعد أن تحصل علما أن الدروس لا تنفع حيث عنصر المفاجأة يبقى الطاغي . يمكن وصف هذه النظريات بالقضاء والقدر أي لا تنبؤ ولا وقاية، بل تحمل التبعات التي لابد أن تحصل من وقت لآخر . في هذه الحال، ليست هنالك جدوى من إقرار قوانين سلامة ووقاية مالية واقتصادية طالما أن الأزمة ستحصل . من أفضل نتائج هذه القوانين تخفيف الصدمة في قوتها ونتائجها، دون أن تمنعها واقعياً .

انخفضت نسب النمو كثيراً بدأ من سنة ،2008 كما تدنت أسعار العقارات وارتفعت البطالة كما حجم العجز المالي في معظم الدول الصناعية . انقسمت النظريات الاقتصادية بين من يريد ضخ المال والنقد لدفع النمو وبين من يرغب في ضبط العجز المالي حتى على حساب النمو . قصة النمو طويلة منذ الخمسينات حتى سنة 2000 حيث لم يتوقف إلا في السبعينات لفترات قصيرة ما جعل العالم يعتقد أن عملية النمو طبيعية وأن الاستثناء هو العكس . إذا حصلت أزمة ما تعرقل مسيرة النمو، فلا بد أن تنتهي ويعود النمو إلى سابق عهده . من ناحية أخرى، هنالك نظريات تشير إلى أن الأزمات المالية ليست قضاء وقدراً، بل تنتج عن سياسات سيئة وظروف صعبة . أن سبب الأزمات ومصدرها ليس المصارف بل الأوضاع الاجتماعية . فالعلاج لا يكون في الإجراءات والقيود والقوانين المصرفية، بل في كل ما يسهم في تحسين توزع الدخل ومعالجة واقع وأسباب الفقر . المصارف بريئة تبعاً لهذه المجموعة التي يمكن توزيعها على محاور ثلاثة:

أولاً: السياسات الحكومية التي تحمي الكبار وخاصة كبار المصارف عندما تتعثر . تدفع هذه الحمايات المؤسسات إلى المخاطرة في الأعمال لعلمها أنه سيتم انقاذها منعا لضرب النظام العام . استغلت المصارف الدولية هذا الواقع وأعطت قروضاً لمن لا يستحقها، ما سبب انهياراً في الأسواق المالية فأتت المصارف المركزية للإنقاذ . هنالك أيضاً أنظمة ضمان الودائع التي تطمئن المودعين إلى أموالهم، لكنها في نفس الوقت تدفع المصارف إلى المخاطرة لعلمها أن المودعين مضمونين ولن يكونوا قلقين أو مراقبين دقيقين لأعمال المصرف .

ثانياً: الفارق الكبير في الدخل والثروة بين الطبقات الشعبية ووجود طبقة وسطى مرتاحة تشكل العصب الاقتصادي للدولة . هنالك اقتصاديون كبار بدءاً من "كارل ماركس" إلى "ستيغليتز" يشيرون إلى الفارق في الدخل كمصدر للثورة وبالتالي للأزمات الاجتماعية المالية .

ثالثاً: هنالك نظريات تقول إن الأزمات تنبع من الفقر أو من سوء الغذاء المرتبط به . لأن المدارس الرسمية ليست بالمستوى المطلوب، يعجز الفقراء عن تحسين أوضاعهم . إن الانطلاق من مستوى متدنًّ وعدم إمكانية التغيير يؤدي إلى سوء توزع للدخل، وبالتالي إلى أزمات اجتماعية اقتصادية تنعكس سلبا على المال . من الصعب قبول منطق المجموعة الثانية وتبرئة المصارف كلياً من تسبب أو ترك المشاكل المالية تتفاقم . لذا غلبت عموما النظريات الأولى التي تقول إن الاقتصاد يسير نفسه، ولا بد من حصول أزمات . تبعاً لهذا المنطق غلبت نظريات النمو التي تقول إن السياسات الاقتصادية الفضلى هي التي تحقق النمو المتواصل المرتفع الذي يغطي أي خسارات مستقبلية يمكن أن تنتج عن تحركات الاقتصاد . يسهم النمو في معالجة مشاكل الفقر والبطالة بحيث لا تتفاقم إلى حدود لا يمكن تحملها . ترتكز هذه النظريات على تجارب الماضي حيث استمر النمو الاقتصادي العالمي لفترات طويلة منها بين 1946 و1964 في الولايات المتحدة تزامنت أيضاً مع فترة انجاب مرتفع . على المدى الطويل اعتمدت نسب النمو على عوامل ثلاثة هي الزيادة السكانية والتطور التكنولوجي كما زيادة الادخار لتمويل الاستثمارات . لم يكن لموضوع المناخ أي وجود، إذ كان خارج الاهتمامات الشعبية والحكومية في تلك الحقبة .

ارتكزت ثقافة النمو على أن الإنتاج يعتمد على عاملين فقط هما رأس المال واليد العاملة . لم يكن للموارد الطبيعية، قبل أزمات النفط في السبعينات، أي دور اذ اعتبر توافرها طبيعياً في الكمية والسعر . إن الضغط الذي حصل على أسواق المواد الأولية فيما بعد من نفط وغذاء ومعادن وغيرها تسبب في تحقيق عدم استقرار اقتصادي دولي سمح للمضاربات بالانتعاش . هنا لابد من ذكر ما قاله "بن برنانكي" حاكم المصرف المركزي الأمريكي السابق: "تعود النتائج الجيدة التي حققت حتى سنة 2008 إلى التغيرات في هيكلية الاقتصاد، إلى التحسن في تصميم وتطبيق السياسات الاقتصادية المختلفة وثالثاً إلى الحظ الذي حالف الجميع" . في كتابه عن الأزمة المالية، يقول "جايمس غالبريث" إن الأوضاع العالمية لم تعد كما كانت، فهنالك ظروف جديدة تخالف التاريخ وتجعل عملية النمو غير عادية بل صعبة ومتعثرة . يجب الاستفادة من أزمات اليوم لوضع أسس أفضل للمستقبل.

* نقلاً عن الخليج

https://www.alkhaleej.ae/analyzesandopinions/page/b9d6072f-8143-43f9-bd6b-c94de5a8b7b4#

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.