الوقف واستدامة الشركات العائلية

عبدالله محسن النمري
عبدالله محسن النمري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

استوقفتني دراستان – صادرتان عن بيتي خبرة عالميين – ناقشتا واقع الشركات العائلية في العالم العربي، و مساهتمها في التنمية الاقتصادية ، و العقبات التي تواجهها و سبل تخطيها. بينت الدراستان أن 95% من الشركات المسجلة في الممملكة العربية السعودية هي شركات عائلية ، و أن استثماراتها تزيد عن 300 مليار ريال، كما أنها ساهمت في توظيف 80% من القوى العاملة في المملكة العربية السعودية، كما أظهرت معدلات النتائج الاحصائية للدراستين أن نحو 30% فقط من الشركات العائلية يستمر للجيل الثاني ، و أن 13% منها يستمر للجيل الثالث.

إن استدامة الشركات العائلية هو التحدي الرئيس الذي يواجهها، و كل التحديات الأخرى و الحلول المقترحة لها ، إنما هي متفرعة عن التحدي الرئيس و تهدف جميعها لتحقيقه. لم ألحظ فيما وسعني الاطلاع عليه من الدراسات و التقارير التي تعنى بالشركات العائلية أي مقترح لاجراء ناجع يضمن استدامة الشركات العائلية يمكن تعميمه على جميع الشركات العائلية في مختلف دول العالم ، و هو أمر أعزوه إلى اعتبارات اقتصادية و اجتماعية و دينية تظافرت جميعها فشكلت ثقافة خاصة بكل مجتمع انعكست على ثقافة المنظمات العاملة فيه. مما يبرز أهمية عمل دراسة شاملة عن الشركات العائلية السعودية تبنى على نتائج الدراسات و تستقى لها اجرءات و حلول من ثقافة مجتمعنا.

خلصت الدراساتان – آنفتا الذكر – إلى أن أبرز إجراء يضمن استمرار الشركات العائلية لأجيال متعاقبة هو تحولها إلى شركات مساهمة عامة، و هو رأي وجيه حاز تأييد عدد من ملاك الشركات العائلية الخليجية. لكن السؤال الأهم في نظري هو: هل تحول الشركة العائلية لمساهمة عامة يضمن استمرار ملكية العائلة لها أم يضمن استمرار الشركة ككيان مستقل عنهم؟ و أرى – جوابا على هذا السؤال – أن تحول الشركات العائلية لشركات مساهمة عامة يضمن بالتأكيد استمرار الشركة ككيان مستقل عن ملاكها، نظير ما يتطلبه تحولها من تبنيها لاجراءات و اليات الحوكمة و مراقبة أدائها دوريا، لكن تحولها في – المقابل – قد لا يضمن بالضرورة استمرار ملكية العائلة لها ، فعلى المدى الطويل قد تتضاءل ملكية أفراد العائلة لاسباب مختلفة منها التوريث أو التخارج من الشركة ببيع حصصهم فيها.

و لما كان مفهوم الوقف قائم على استدامة الأعيان الموقوفة و ضمان جريان ريعها على الموقوف عليهم، و بما أنه منهج ديني اجتماعي اقتصادي متكامل له ارتباط وثيق بثقافتنا، فإنني أقترح لضمان استدامة جريان أرباح الشركات العائلية على ملاكها الرئيسيين ، بعد تحولها لمساهمة عامة ، أن يوقف عليهم جزء من أسهم الشركة – كالثلث مثلا – و يستبقى جزء ملكا لهم و يطرح الباقي للاكتتاب العام. و يعين للجزء الموقوف على الملاك ناظر متخصص في تمويل الشركات عارف بادراتها و حوكمتها، يكون عضوا في مجلس إدارة الشركة، و يعمل على ضمان تعظيم أرباح الموقوف عليهم و باقي المساهمين بحكم نظارته على الوقف و عضويته في مجلس الإدارة.

ختاما، استبشرت بما نشر في بعض الصحف خلال الاسابيع الماضية عن أن هنالك توجها لحث الشركات العائلية للتحول لشركات مساهمة عامة، و لعل مواكبة هذه الاجراء بالدعوة لوقف حصص من أسهم تلك الشركات على مؤسسيها من شأنه تعظيم الفائدة الاقتصادية المرجوة من استمرار الشركات العائلية ، و استدامة ريعها على مؤسسيها ، و اتاحة المجال للأوقاف أن تضطلع بدورها في التنمية الاقتصادية.

* نقلا عن صحيفة " المال "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.