.
.
.
.
خاص

ما الذي لم يقلهُ المرشد خامنئي حول الانتخابات الرئاسية؟

المرشد وفي خطابه الأخير أراد استرضاء المستائين من طريقة إدارة الانتخابات الرئاسية المقبلة في إيران والسعي لرفع نسبة المشاركة التي يعتقد كثيرون أنها ستكون الأقل في تاريخ الثورة

نشر في: آخر تحديث:

إبان الذكرى الثانية والثلاثين لرحيل مؤسس نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، السيد روح الله الموسوي الخميني، ألقى خليفته المرشد الحالي آية الله علي خامنئي، خطاباً، تناول فيه الانتخابات الرئاسية القادمة، المقررة في 18 يونيو الجاري، قائلاً "نعيش اليوم في أجواء الانتخابات، وهناك من يريد أن يثبط عزيمة الشعب في المشاركة"، منوهاً إلى أن "الإحباطات وسوء الإدارة يجب إصلاحها عبر المشاركة في الانتخابات وليس في التخلي عنها"، كما نقلت "وكالة فارس للأنباء".

نسبُ المشاركة!

حديث خامنئي أعلاه يتضمن إقراراً بأمرين: الأول، هنالك خشية من قلة إقبال الإيرانيين على المشاركة في الاقتراع، حيث نقل موقع "إيران إنترناشيونال"، أنه و"بحسب نتائج المرحلة الثامنة من استطلاعات الرأي التي أجراها مركز استطلاع رأي الطلاب الإيرانيين إيسبا"، فقد بلغ معدل مشاركة المواطنين المؤكدة 34.1%"، وهو ما سينعكس ولو رمزياً بشكل سلبي على صورة إيران الخارجية، التي طالما كان نظامها يتفاخر بأنه يحقق نسب مشاركة عالية، بلغت أعلاها 84.8% بحسب الإحصاءات الرسمية، العام 2009، في الانتخابات التي فاز بها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، وشهدت اتهامات بالتزوير، أدت إلى حركة احتجاج شعبي واسعة قادتها "الحركة الإصلاحية"، عرفت بـ"الثورة الخضراء".

نسبة 34.1%، التي رصدتها الاستطلاعات حتى الساعة للانتخابات الرئاسية المقبلة، أقل من أدنى نسبة مشاركة شعبية في الانتخابات منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية العام 1979، حيث سُجل أدنى إقبال العام 1993، بنسبة 50.6%، حين فاز الرئيس الراحل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، أي أن الفارق 16.5 نقطة، وهو فارق كبير. فيما سجلت آخر انتخابات أجريت العام 2017، وفاز بها الرئيس الحالي حسن روحاني مشاركة نحو 73.3% من الإيرانيين الذين يحق لهم الاقتراع، أي أكثر من ضعف الرقم الذي أظهرته نتائج الاستطلاعات الأخيرة، وهي أرقام قد تختلف زيادة أو نقصاناً مع قرب يوم الاقتراع.

من انتخابات 2017 الرئاسية في إيران
من انتخابات 2017 الرئاسية في إيران

دلالات المقاطعة!

المشاركة المتدنية ستعني أن هنالك قطاعاً واسعاً من الشعب الإيراني صوت بـ"لا" للرئيس المنتخب، وأن هؤلاء لم يجدوا بين المرشحين السبعة الذين وافق عليهم "مجلس صيانة الدستور" من يمثل آراءهم أو يؤيدون برنامجه الانتخابي.

من جهة أخرى، ستعكس الأرقام في حال تدنيها، تراجعاً في "الحماس للمشاركة" حتى بين "أبناء الثورة" أنفسهم، وهذا ما دفع المرشد آية الله علي خامنئي للتأكيد على أن "الاحباطات وسوء الإدارة يجب إصلاحها عبر المشاركة في الانتخابات، وليس في التخلي عنها"، لعلمه أن هنالك "تذمراً" واسعاً حتى بين الموالين للنظام، عبرت عنه صراحة شخصيات مثل الرئيس حسن روحاني والسيد حسن الخميني وسواهما.

خامنئي الذي يعتبر رأس الهرم السياسي في إيران، يدركُ تماماً أن ابتعاد شخصيات محترمة ومؤثرة عن المشهد السياسي، سيؤدي إلى إضعاف شرعية النظام، وتراجع التأييد المطلق له، ولذا اعترف بوجود "سوء الإدارة"، داعياً إلى إصلاح الخلل عبر "المشاركة" وليس التخلي عن الحق في الاقتراع.

استمالة المستائين!

محاولة ترغيب "أبناء الثورة" بـ"التواصي بالحق" حسب تعبيره، لعلمه أن نُقاداً مثل آية الله صادق لاريجاني والدكتورة زهراء الخميني، هم ممن يريدون إصلاح النظام من داخله، لا الانقلاب عليه. وهذه المساعي قد تدفع البعض جزئياً للمشاركة، وربما تنقل وسائل الإعلام صوراً لهؤلاء "المستائين" وهم يدلون بأصواتهم، إلا أن ذلك على الأغلب لن يدفع لارتفاع كبير في نسب المشاركة عامة، خصوصاً أن "التيار الإصلاحي" لا يمتلك مرشحاً رسمياً في السباق الرئاسي.

آية الله صادق لاريجاني

مسؤولية الإصلاح!

الأمر الثاني الذي أقره خطاب المرشد الأعلى خامنئي هو وجود "سوء إدارة" في عملية تنظيم الانتخابات القادمة. وهذا "السوء" قد يكون مقصوداً على الأغلب بحسب بعض المراقبين، لأن هذه الانتخابات تمتلك أهمية خاصة في ترسيخ نهج واضح وصريح يؤمن بـ"قيم الثورة الصلبة" التي يمثلها الولي الفقيه والحرس الثوري.

الإصلاح الذي أشار له خامنئي، لن يتعدى – حالياً على الأقل – المظاهر الشكلية و"تطييب الخواطر"، بحيث يُعاد الاعتبار معنوياً لبعض المرشحين المستبعدين، وتحديداً الرئيس السابق لـ"مجلس الشورى الإسلامي" علي لاريجاني، الذي شن عليه "المتشددون" حملة إعلامية قاسية. ولذا توجه خامنئي بدعوة "الأجهزة المسؤولة بالتعويض عن عوائل المرشحين الذين لم تُحسم أهليّتهم"، بحسب "وكالة فارس للأنباء".

علي لاريجاني
علي لاريجاني

هذه الدعوة أثارت الكثير من الجدل، وفتحت الباب على مصراعيه أمام التكهنات، بين من توقع أن يُعاد النظر في أهلية المرشحين المرفوضين، وبين من قرأها بشكل مختلف!

كان الجمعة 4 يونيو الجاري يوماً إيرانياً طويلاً، حيث اعتبر النائب السابق في "مجلس الشورى" علي مطهري، أنه يعتقد أن المغزى من تصريحات المرشد أن مجلس صيانة الدستور يجب أن يعقد جلسة ويوافق على الأقل على أهلية علي لاريجانى. فيما سعى مهدي فضائلي، عضو "مكتب حفظ ونشر أعمال المرشد الأعلى" إلى نفي تأثير تصريحات المرشد في إعادة هندسة الانتخابات، قائلاً إن "إشارة المرشد الأعلى للثورة إلى تعرض بعض المرشحين لانتخابات رئاسة الجمهورية للظلم من خلال رفض أهليتهم ليست موجهة إلى مجلس صيانة الدستور وليس لها أي تأثير على النتيجة التي أعلنها هذا المجلس"، بحسب تقرير نشره موقع "العربية.نت".

لا تغيير!

لم تقتصر المواقف على مطهري وفاضئلي، بل غيرهما الكثير أطلق العديد من التحليلات والقراءات المتباينة لتصريحات خامنئي، قبل أن يحسم "مجلس صيانة الدستور" الجدل، في بيان أعلن فيه أن "أثناء مراجعة مؤهلات المرشحين للرئاسة تمت المصادقة على أسماء المرشحين، إلا أنه بعد ذلك انتشرت عبر مواقع التواصل وبعض وسائل الإعلام، بعض التقارير الكاذبة وغير الموثقة عن بعض المرشحين الشرفاء وأقاربهم، ونسب اليهم تهم غير صحيحة"، مضيفاً "إن مجلس صيانة الدستور مع تأكيده على الحفاظ على كرامة الأفراد وإدانة انتهاك كرامتهم وكرامة المرشحين وعائلاتهم، يحث جميع وسائل الإعلام على التأكيد على أن النظر في تأهيل المرشحين يتم بسرية في هذا المجلس"، أي أن "المجلس" أزاح المسؤولية عن كاهله، واعتبر أن الحديث لم يوجه له، وأن لا تغيير في قائمة المرشحين المقبولين، وأن النقد الذي كان في حديث المرشد خامنئي موجه إلى جهات أخرى ووسائل إعلام، وليس لمؤسسة "صيانة الدستور"!

المرشحون الذين قبل مجلس صيانة الدستور ملفاتهم
المرشحون الذين قبل مجلس صيانة الدستور ملفاتهم

دعمٌ معنويٌ!

العام 2009، وبعد مناظرة تلفزيونية كانت محل جدل كبير، قام الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني بتوجيه رسالة طالب فيها الرئيس السابق أحمدي نجاد بأن "يسحب كل الاتهامات الموجهة إليه وإلى نجله تفادياً لملاحقات قضائية"، كما "طلب من الإذاعة والتلفزيون منح الأشخاص المتهمين حق الرد"، بحسب "وكالة الأنباء الفرنسية"، التي نقلت أيضاً في خبرها أن رفسنجاني "انتقد صمت خامنئي" تجاه اتهامات نجاد لرفسنجاني وعائلته.

بُعيد أن وقع الضرر على عائلة رفسنجاني، وقويت شوكة نجاد، وفي خطبة له، تحدث خامنئي مدافعاً عن رفسنجاني، محاولاً تخفيف وطأة غضبه، خصوصاً أنه خرج صفرَ اليدين من الانتخابات، وبالتالي لا ضرر من إعادة شيء من الاعتبار المعنوي له.

ذات الأمر حصل في خطاب خامنئي الأخير، مع المرشح المستبعد علي لاريجاني، وإن لم يسمه في كلمته، حيث وجه لاريجاني رسالة شكر لآية الله خامنئي، جاء فيها "كشفت تصريحات سيادتكم الحكيمة.. الأسس المتينة والعقلانية للجمهورية الإسلامية"، مضيفاً "تحذير سيادتكم ومطالبتكم بإزالة الظلم والإجحاف الذي حدث في دراسة مؤهلات المرشحين للرئاسة، أظهر عظمتكم ووقوفكم مع الحق أكثر فأكثر".

وبذلك يكون المرشد خامنئي قد "برأ ذمته من رفض أهلية المرشحين.. وليظهر هو بمظهر المحايد تجاه المرشحين، وخاصة وسط ما يتردد حول دعمه لإبراهيم رئيسي"، بحسب الصحافي الإيراني مسعود الزاهد.

المرشج المقرب من خامنئي، ابراهيم رئيسي
المرشج المقرب من خامنئي، ابراهيم رئيسي

علي لاريجاني على العكس من هاشمي رفسنجاني، ربما كان يحتاج هذا الدعم المعنوي من خامنئي، كي لا تضع الانتخابات حداً لمسيرته السياسية، وهو لذلك سارع لشكر خامنئي، فضلاً عن كونه أكثر طاعة والتزاماً بأوامر المرشد من الراحل رفسنجاني، الذي يعتبر نفسه نداً لخامنئي وأنه صاحب فضل عليه في جعله خليفة لآية الله الخميني.

مرة بعد أخرى، يعمل المرشد خامنئي لأن يكون "بيضة القبان"، رغم صعوبة المرحلة، وعدم نجاح ذلك في كل الأوقات، خصوصاً أن ما لم يقله المرشد في خطابه أن سياسات "مجلس صيانة الدستور" قد أثارت حفيظة عدد من المرجعيات الدينية في حوزة "قم"، وأصابت بالإحباط عدداً من نخبة ومثقفي "الثورة"، ورفعت من منسوب "خيبة الأمل" في الشارع الإيراني الذي أنهكته الأوضاع الاقتصادية وتضخم الأسعار، وفي كل انتخابات يرى بارقة أمل ولو ضئيلة في التغيير، إلا أن "الانتخابات القادمة أطفأت هذه الشعلة رغم ضآلة حجمها، وحولتها إلى مجرد تتويج لفريق سياسي، لا أكثر ولا أقل، دون أن تكون للشعب كلمته".