سجن الرغبات

مها محمد الشريف
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

من الواضح الآن أن أغلب المجتمعات تعاني من عوائق غير قابلة للتجاوز، وفي العمق صرخة مكبوتة تستنجد، لماذا تبقى بعض الأشياء على حالها وقد ضاعت أماكنها؟

قصص وحكايات مأساوية تروى كل يوم، لماذا الأطفال يهاجرون من قلوب أسرهم إلى فناء الغريب، ولماذا هروب الفتيات إلى المجهول مستمر، ولماذا العنف يعلو صراخه من نوافذ المنازل، هل النتائج مرتبطة بالسياسة الدينية المتشددة خلف الجدران، أم هو نوع من المعارضة في استعمال الطريقة لهذه الهيئة القانونية والسياسية داخل الأسر.

حياة تستوجب الإنقاذ، لأنها تفتقر إلى درجة كبيرة من الانضباط الحضاري، إن بعض المكونات تقع تحت مظلة المناخ الاجتماعي القديم، وإرساء محتوى العيب والحرام في خط متوازٍ جنباً إلى جنب، وفصول تكاد تكون متشابهة بلا معنى، تعلق التحول العميق فيها بالاستمرار المرتبط بالماضي أكثر من المستقبل، وتكافؤ الحظوظ متدنية، وعناصر مختلفة من الانتماءات تجذبها، وبحث عقيم لا تجد له تفسيراً بديلاً، إنها أزمات لا تستثني أحداً.

بينما تجنيد النفس للحياة يستدعي مراحل تعويض كبيرة، تضاف لها أصناف متنوعة تصحح اعوجاج الكيان الذهني والمعرفي، وتعمل على استبدال التحول الذاتي الذي يتطلب اقتراناً بموارد المجتمع الكوني، وربط ذلك الكائن البشري المنعزل بعلاقات تفاعلية، عوضاً عن سلب تميزه الشخصي، وحقنه بجرعات كبيرة من المسكنات فقط.

وما يود هابرماس (التذكير به، هو ضرورة الحفاظ على شعلة العقل والعقلانية متقدة، فهي تمكن من فهم ذاتي عملي وسليم، قوامه ذات متحررة من القيود،- ذات لها طبيعة جوهرية – تعي أن الخطر الذي يجازف بنا يكمن في اندثار أسس تمثلاتنا الأخلاقية والقانونية).

فالمظاهر الحضارية التي تفرض شروطها على الإنسان توافق الطبيعة البشرية المتطورة، فكلما ابتعد السلوك عن الحياة البدائية قبل التطور الثقافي، وفي معرض هذه القراءة التحليلية معايير تفيد أن تغير التاريخ هو بالأصل تغير ثقافي.

لكن في المجتمعات المغلقة يكون المرء جامعاً للنواهي كركيزة ضرورية ما يجعل منها مهمته الرئيسية، يطبقها على أفراد أسرته ومجتمعه، ويحطم القيود التي فرضتها الحضارة، ويواجه الطبيعة بجهود ومشاحنات وخصومات تضطرم في العمق، ويعيد إنتاج الفوضى في النفوس ويفصل بين الوعي الإنساني الذاتي والمعرفة، وينزع إلى توسيع دائرة الانحراف بين الأبناء، ويقطع الجميع شوطاً طويلاً، كلاً حسب ميوله وعاهته وقناعاته.

إننا أمام معضلة كبيرة تفيد من وجهة نظر علم النفس: أن حجز رغبات الراشد ظلم فادح يؤدي إلى تنافر سافر، إما نتيجة عجز عن تطبيق الديمقراطية في الحياة الاجتماعية أو تصعيد الشرعية على حساب الحقوق الإنسانية.

إن وفرة الحقوق والحفاظ عليها محكومة بالاستقرار والحصانة من الانفلات الأخلاقي والسلوكي، فالحد الفاصل بين الخاص والعام تلك المشاعر الحانية التي تظهر الحب والدفء، والتسامح، ومراقبة العثرات، وإيجاد حلول لها.

نقلاً عن صحيفة "الرياض"

www.alriyadh.com/963021

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.