متجمهـرون مـن الفـضـاء

أحمد عجب الزهراني
أحمد عجب الزهراني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

حوادث السيارات سواء العادية أو المفجعة، لم تعد أمرا غريبا نادر الحصول، لهذا لم يعد الإعلام يهتم بها كما كان يفعل ذلك في الماضي، حين كانت تفرد لها صفحة كاملة ومهمة (بطن أخيرة)، أو تبث لها برامج متخصصة أوقات الذروة، فمنذ أن تستقل سيارتك وحتى تصل المشوار الذي تقصده وأنت تتصفح وتشاهد الحوادث الحية على الطريق والعنوان الرئيسي للكثير منها هو وقوف قائدي المركبتين في منتصف الشارع أحدهما يمسك رأسه ويسند ظهره على الكبوت والآخر يجري اتصالا بجواله وهو يلوح بيده غاضبا ليس بفعل الحادث فقط وإنما بسبب حرارة الجو والملل وبطء الوقت حتى وصول سيارة الإسعاف والمرور ونجم!؟
في كل مرة أقرأ أو أسمع فيها عن حوادث السيارات، كنت ألاحظ أن الحديث ينصب في الغالب إن لم يكن دائما حول المتجمـهـرين وكيف أنهم عرقلوا عمل فرق الإسعاف وأن غايتهم فقط الفرجة وتصوير تفاصيل الفاجعة من باب الفضول والحصول على لقطات ومشاهد نادرة دون أي مراعاة للوضع الصحي والنفسي للمصابين، وهكذا بدأت القناعة والانطباع السيئ تجاه المتجمهـرين يكبر شيئا فشيئا بداخلي حتى أصبح ذلك مع الوقت مثل شجرة فارعة الطول من الصعب اجتثاثها بعد أن ضربت جذورها أعماق الأرض!!.
في ليلة الجمعة الماضية، هبت ريح شديدة على هذه الشجرة كادت أن تستقلها من مكانها وترمي بها للمجهـول فبينما كنت ومجموعة من الأصدقاء نسهـر ونلعب البلوت في جلستنا المعتادة بسطح العمارة الكائنة جنوب جدة إذا بصوت قوي جدا يأتينا من جهة الشارع، هرعنا على الفور لنستطلع الأمر، منا من تسلق جدار الجون (السترة) ومنا من بقي ينظر للشارع من الدريشة الصغيرة الموجودة هناك، رأينا سيارة مقلوبة بعد أن انحرفت عن الشارع والدخان والنار بدأت تتصاعد منها، لقد جذمنا في مكاننا وكل خوفنا أن يكون بالسيارة أحد فتشتعل به أو تنفجر به ــ لا قدر الله ـــ كنا نتمنى مساعدتهم بأي شيء ولكننا بعيدون ومحبطون!؟
في أقل من دقيقتين، رأينا شبابا رغم الخطر المحدق يقتربون بكل شجاعة من السيارة، منهم من يحاول فتح أبوابها ومنهم من يحثي بالتراب على النار لإخمادها، حتى تنبهوا إلى أنه لا أحد بالسيارة التي يبدو بأنها قذفت بالسائق إلى الخارج أثناء تقلبها، فذهبت مجموعة منهم إليه وهو مسجى على الأرض للاطمئنان عليه فيما أكملت المجموعة الأخرى إطفاء النار بطفايات الحريق التي كانت مجهـزة بها سياراتهم، فيما اصطفت بقية السيارات المارة على بعد مسافة من الحادث وهي مولعة (الأفلشر) للتحذير من الاقتراب!!
هل هم حقا هؤلاء المتجمهـرون الذين دائما ما نجلدهم بسياط انتقاداتنا العمياء لهم، أم أنهم مخلوقات فضائية صادف وقوع ذلك الحادث مع مرور مركبتهم الفضائية فآثروا أن يسلطوا الضوء عليها ثم يهبطوا بالقرب منها ليقدموا كل هذه المساعدات والتضحيات الكبيرة. لم تدم سهـرتنا أكثر من نصف ساعة بعد هذا الحادث الأليم وقبل أن يستقل كل منا سيارته نظرنا إلى حيث وقع الحادث وكان كل شيء على ما هو عليه، هناك من يمسك رأسه ويسند ظهـره على الكبوت وهناك من يجري اتصالا بجواله وهو يلوح بيده غاضبا، وهناك من حضر متأخرا وسيتحفنا بعد ساعات قليلة عند نقله لخبر الحادثة بأن (المتجمهـرين أعاقوا عمل فرق الإسعاف)!!..

نقلاً عن صحيفة "عكاظ"

www.okaz.com.sa/new/Issues/20150306/Con20150306757183.htm

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.