كارثة اللجوء .. ولعنة التاريخ

أحمد الحناكي
أحمد الحناكي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

ستنظر لنا الأجيال القادمة باحتقار، وستلعن هذا التقاعس العربي تجاه اللاجئين من سورية والعراق وليبيا، في ظل المآسي التي يعيشونها في كل محاولة؛ للهروب من سعير حروب بلادهم.

يا لهذا البؤس والألم والحزن والدمار! أمن الممكن أن يحدث هذا ونحن في القرن الـ21، إذ وصلت التكنولوجيا مداها المتقدم، فيما انحدرت الإنسانية إلى الحضيض.

ما الفرق يا ترى! بين ما يصنعه الدواعش من جهة، وبين فرجتنا على مسلسل الهروب اليومي العربي الدامي؟

لا عذر لأحد. كلنا مدانون، وإذا كانت الأردن ولبنان وتركيا تستقبل اللاجئين القادمين من أتون الهلاك، فإنهم لا يستطيعون تغطية الكثير، ومن الظلم أن يكون العبء عليهم بحكم أنهم في الجوار.

نعم، يستطيع الخليجيون الدفاع عن أنفسهم بالحديث عن أعداد اللاجئين المقيمين لديهم، ولكن وبحكم أنهم ليسوا بالجوار فإنهم يظلون بحاجة إلى الإسهام أكثر من غيرهم.

هل تخيلنا يا ترى نفسيات هؤلاء الأبرياء وكيف يلفهم الرعب وهم يتنقلون من جحيم إلى جحيم، حاملين أرواحهم وأطفالهم؟ لا أستطيع تصور ذلك ولا أتحمله. انظروا إلينا! انظروا إلى أنفسنا في حياتنا اليومية المعتادة، نمتطي سياراتنا الفارهة أو على الأقل المريحة المنعشة بالبرودة، وأطفالنا يتنافسون على شراء الألعاب والذهاب إلى المدن الترفيهية، والنساء يتباهين بأحدث الأزياء والعطور، بينما الرجال في الاستراحات والمقاهي وبعضهم في الحانات يتناقشون في كل شيء، ويقهقهون على كل شيء، ويتصارعون لفظياً نصرة لفرقهم المفضلة في كرة القدم، ونذهب جميعاً آخر الليل إلى منازلنا مستمتعين لننام بأمان، وفي الوقت نفسه تبدأ رحلة العذاب للاجئين الذين بالكاد والمخاطرة والتوسلات ودفع كل ما يملكون يتشبثون بالسفن أو بالمراكب أو بأي لوح خشبي يقودهم إلى حلم الوصول إلى أوروبا.

الكثير منهم يصل جثة، وبعضهم تقفل في وجهه الحدود كما تعمل دولة هنغاريا، التي ويا للسخرية كانت يوماً دولة شيوعية تؤمن بالمساواة والعدالة وتفضيل الجماعة على الفرد، بل ويتعرضون للمطاردة والإهانة، كما عملت تلك المذيعة القميئة أخلاقياً عندما عرقلت لاجئاً وطفله أرادا الفرار من الشرطة التي رفضت السماح لهما باللجوء إلى بلدها، تصل بنا الحال إلى ذلك؟ أهالينا في قلعة الشام الشامخة يتوسلون الهروب منها؟

الدول الأوروبية تحاول أن تكون إنسانية، في الوقت الذي تُبرِز فيه أنياب مصاصي الدماء من المتطرفين والنازيين والوحوش الآدمية تريد رفضاً للاجئين، بل تريد حتى طرد المهاجرين المقيمين إن أمكن.

هذا لا يمنع من ظهور وجوه مضيئة مثل أنجيلا ميركل رئيسة الوزراء الألمانية، التي تقاتل كي تستقبل اللاجئين، وأشعرتنا أن هناك أملاً (ألمانياً ويا للمفارقة كانت دولة نازية في عهد هتلر)

ما دورنا يا ترى؟ ما الذي نستطيع صنعه؟ ألا يرى زعماؤنا العرب أن اللاجئين بحاجة إلى الأموال أفضل من هدرها على حروب لا طائل منها؟ وحتى إن أصررنا أو اضطررنا إلى هذه الحروب نستطيع المساعدة بإقامة مدن ومراكز موقتة لهم، ولن أدخل بتفاصيل فنية لا أجيدها، لكنني لا أرى أن هناك أدنى اهتمام بمساعدتهم.

إضافة إلى ذلك لم لا تقام حملات للتبرع بإشراف حكومي؟ الشعوب العربية ولاسيما الخليجية بحكم الوضع المادي أثبتت أنها تتفاعل مع الأحداث الإنسانية، ولا أظن أن أحداً لم يبكِ عندما شاهد الطفل إيلان محمولاً بعد غرقه في أحد مراكب الفارين من بيوتهم ووطنهم. نعود مرة أخرى ونطالب بمراكز لهم، إنهم يا سادة إخوتنا، يموتون كل يوم وليتنا بدلاً من بناء سجون أو حتى مساجد نتبرع لها لإقامة مأوى للاجئين.

يقال إن العدد نحو 300 ألف مهاجر، ودعنا نقول مليون، أمتنا العربية والإسلامية التي تضاهي البليون الآن، ليست بعاجزة أبداً عن احتوائهم ولو موقتاً، حتى تنجلي أزمتهم! كما ذكرت أولاً، لا نريد أن يذكرنا التاريخ لاحقاً أننا نمنا قريري الأعين وأشقاؤنا يُذبحون ويَغرقون ويُطردون ويُهانون، والتاريخ يا سادة لا يرحم، ويكفي أن أشقاءنا كانوا يوماً، وما زال بعضهم، معلمين في مدارسنا، ولن أنسى معلميْ التاريخ والكيمياء السوريين، أو معلم اللغة الإنكليزية العراقي، أخشى ما أخشاه أن يكونوا اليوم مع أسراب اللاجئين.


نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.