التنكة
البحر يموج بالصخب.. وهو يمشي ويمضغ الصمت.. وفي صدره صخب يعلو ويهبط.. إذ لم يعد يحتمل.. فمنذ بدأ رحلة العمل المهين مع رئيسه وهو يكابد، لكنه كان يلوذ بالصمت، يلوذ بالتحمل.. حالته الآن لم تعد تحتمل، فكل شيء يتبدل ويتغير وفق نواميس التبدل والتغير، إلا رئيسه هذا، فهو صامد في جموده وتخلفه صمود الصخرة العاتية..
***
تنكة صدئة أكلت رطوبة البحر جزأها السفلي، فتمزقت وتناثرت حبات الرمل من جنباتها... تغفو على طرف الساحل الرملي حيث يصلها ابتلال الرمل، حين يمتد الموج إلى ما تحتها. حدق فيها طويلاً في عبث، وكأنها شيء جدير بالاهتمام والانتباه..! لا يدري لماذا وجد نفسه مشدوداً إليها، ينظر إلى أجزائها السفلى وقد "تخشرمت" واهترأت وتثقبت.. وإلى أعلاها، وقد أخذ لون الشيء المحترق بفعل الرطوبة والشمس.. وجد نفسه بلا سبب مندمجاً في مشاهدتها لا يحوّل بصره عنها وكأنها ضالة عثر عليها، أو عمل فني خالد رآه لأول مرة..! ماذا في الأمر..؟ تنكة مرمية على ساحل البحر، أكلتها الملوحة وعوامل التعرية.. ولكن!!؟
اقترب منها، دار حولها، صار يمعن النظر فيها.. صار يركز بدقة أكثر وتفصيل أكثر.. صار ينظر إلى الثقوب وأعدادها، وأكبرها سعة، وأصغرها، وامتداد الثقوب في الطول أو العرض، وكذلك الثقوب المليئة المسدودة بالرمل والثقوب الفارغة.. تطامن إلى الأرض. وضع ذقنه على التراب. صار يحدّق في الثقوب التي ينفذ منها الضوء، والثقوب التي لا يتسرب إليها.. نهض واقترب قليلاً من رأسها. وجد أن الفتحة الصغيرة في ركن سطحها مغلقة، وأن السدّاد في مكانه.. ورأى الحلقة التي في الوسط في مكانها، ولكنها قد أزيحت من جهة إلى أخرى، فأثر الحلقة واضح بيّن.. وهذا دليل على أن أحداً قد حركها منذ عهد ليس بالبعيد..
راودته نفسه في أن يلمسها وأن يحركها قليلاً، ولكنه خشي أن تنهار دفعة واحدة، فبناؤها المهترئ ينبئ بإمكانية انهيارها السريع، وهو يخشى أن تقع فتذهب لذته ومتعته... إنه حريص على إبقائها كما هي!!
راح ينظر إليها باهتمام واستمتاع غريبين، تمنى ألا يفارقها. كأن شيئاً في ذاته له علاقة وثيقة بهذا الهيكل المهترئ التافه الرخيص.. لا يدري ما كنهه، ولكن قوة هذا الشيء غلبته على إرادته وعقله، فجعلته محبوساً مربوطاً إلى هذا الشكل والمنظر الغريبين..!!
تمنى أن ينقل التنكة معه إلى المدينة، ولكنه كان يخشى أن تتزعزع فيسقط شيء منها، أو يتغير شيء، فتفقد كمال صورتها الذي أخذته وشدته شداً عظيماً.. فكر في أن يحفر ما حولها وأن يعمق الحفرة ثم يقتلع كل البقعة التي تقع فوقها، ويحملها إلى المدينة..
صمم على تنفيذ الفكرة الحمقاء، وبعد مشقة وعناء، حمل التنكة معه إلى المدينة..!! كاد النوم يفارق ليلته تلك، فرحاً وزهواً ونشوةً بهذا الكنز العظيم.
في الصباح حملها في سيارته.. سبق كل الموظفين إلى الإدارة..!! وضع التنكة على مكتب سعادة الرئيس وانتظر..!!
حدق الرئيس بعد جلوسه على مكتبه في التنكة في ذهول واستغراب..! وقال في استنكار وهو ينظر إليه: ما هذه..؟ تبسم وهو يقول: انظر إليها..! حدّق فيها جيداً وسوف تعرفها..!!
أعاد النظر وهو لا يكاد يصدق ما يسمع أو يرى... صاح ما هذا..؟
دنا من رئيسه بكل هدوء وثقة قائلاً:
سيدي الرئيس: هذه أنت..!!
*لم يسبق أن نشرت صحفياً.
نقلاً عن صحيفة "الرياض"