العالِم والواعظ والمصلحجي
في بداية نشأة المملكة لم تكن لأئمة المساجد وخطباء الجوامع مكافآت، ولم يكن أهالي منطقة الباحة يطلقون على من يصلي بهم وصف (عالم) بل فقيه. ورد في القرآن تمجيد للذين أوتوا العلم (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) و(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) إشكال المصطلح أنه بالخروج من زمن الشفاهي إلى المكتوب ومع اتصال المسلمين بغيرهم حضرت العلوم الطبيعية وبرزت أسماء أعلام جمعوا بين علوم الدين والدنيا وبزوا سواهم ممن ينطبق عليهم توصيف رجال دين في كل الفنون، وعندما نعود لموسوعة المصطلحات نجد أن (عالم) يطلق على المتخصص في الكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيات وغيرها من العلوم الطبيعية فيما يتبقى لرجل الدين العمل على موضوعات الدين من خلال الوعظ والإرشاد والخطب الأسبوعية وإن تحفظ على مصطلح رجل دين هربا من مفهوم الكهنوتية التي شاعت في الغرب مقابل اللاهوتية. وتروي كتب التاريخ الإسلامي أن بعض رجال الحديث اشتغلوا في مهن منهم (البزاز، والجزار، والفحام، والخياط) ذلك أنهم كانوا يرون كراهية الاسترزاق بالعلم الشرعي، والشيخ الألباني رحمه الله عمل حتى شيخوخته في تصليح الساعات باعتبارها مهنة أهله. أعود إلى القرآن وتحديدا آية (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) فالفقه والتفقيه مهمة رجل الدين الذي ربما يتحرج من الوصف الذي هو نتاج واقع لا مخرجات نص إذ لم يرد شرعا أن هناك رجالا للدين لكن ورد تاريخيا رجال الفقه ورجال الحديث شأن بقية المهن. وعندما فرضت الدولة وفقها الله مكافأة للأئمة حضر لأوقاف الباحة أربعيني تظهر عليه آثار الصعلكة يريد تولي إمامة مسجد قريته، وربما استخف به ممتحنوه إلا أنه أفحمهم حفظا وفقها وشعرا، ولكنه عندما سمع بمقدار المكافأة رد عليهم (والله ما تجيب لي قهوة أكيف بها رأسي) فعلموا أن الرجال مصلحجي برغم فقاهته واستغنوا عنه فكان يردد وهو نازل من مبنى الأوقاف (أصلح مع الشعار ومع المطاوعة) وسلامتكم.
*نقلاً عن صحيفة "عكاظ"